الشيعة في مسارهم التاريخي - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٢٧ - ٦-الإنجاز العظيم
بكتابه، على الرغم مما أنجزه من دراسات مهمة في أكثر من مجال. غير أن «الأعيان» كان مشروعه الأساسي الذي أخذ به إلى دائرة التاريخ، ليبحر في خضمّها المتلاطم، فكانت له ريادة على مستوى المنهج، و موضوعيته لا يرقى إليها شك، و تعاطى بمرونة مع الرواية التي يخضعها عادة للنقد، ربما بصورة غير مباشرة، أو للشك كما يبدو جليا في أبحاثه و تصنيفاته. و ليس علينا سوى العودة إلى الكتاب، لنستخلص من ثناياه العديد من النماذج المعبّرة عن هذا المنهج الذي تجاوز كثيرا مساحة عصره، و منها هذا النموذج في الفصل الرابع، و هو يبحث في أسباب «عدم الأنصاف» لشيعة أهل البيت:
«كثيرا ما ذكرت أحوالهم على غير ما هي عليه بحسب الأهواء و الأغراض و كثرة الافتراضات و النسب الباطلة إليهم، و تبع في ذلك المتأخر المتقدم و قلّد اللاحق السابق و بنى على أساسه من غير تحقيق. و ساعدت على ذلك الأحوال السياسية و التمشّي مع ميول العامة، و أيّدته و نصرته السلطات الدولية المتعاقبة، و ساعدت عليه التعصّبات الدينية و علماء السوء تحبّبا إلى الملوك و الأمراء و إلى العوام، و قوّاه غاية التقوية ما أودعه علماء السوء في كتبهم التي انتشرت في الآفاق من تصوير الشيعة فيها بأبشع صورة، و تلقّاها من تأخر بالقبول لحسن ظنه بهم من غير تحقيق و لا تمحيص و لا تبصّر» .
و لست أدري إذا كان السيد الأمين قد اطّلع مباشرة على ابن خلدون في «مقدمته» التي انتقد فيها المصنّفين الأوائل في التاريخ الإسلامي بقوله: «لم يلاحظوا أسباب الوقائع و الأحوال و لم يراعوها، و لا رفضوا ترهات الأحاديث و لا دفعوها، فالتحقيق قليل و طرف التنقيح في الغالب كليل، و الغلط و الوهم نسيب للأخبار و خليل، و التقليد عريق في الآدميين سليل» [١] .
فقد تنبّه السيد الأمين شأن سلفه إلى مواقع الضعف في الرواية التاريخية التي صنّفت من غير «تحقيق» و درج على الأخذ بها جيل بعد آخر، معيدة إنتاج نفسها بأخطائها و شوائبها و التباساتها. و السيد الأمين من هذا المنظور لم يكتب
[١] مقدمة ابن خلدون، ص ٣.