الشيعة في مسارهم التاريخي - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٢٠٧ - كلام أحمد أمين في ضحى الإسلام في حقّ الشيعة
و قد أراد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يعطي ثلث ثمار المدينة لغطفان يوم الخندق و كتب بينه و بينهم في ذلك كتابا، فسأله رؤساء الأنصار أذلك أمر من اللّه أم هو الرأي و التدبير، فقال: بل هو الرأي و التدبير، أو كما قال، فلم يرضوا فرجع إلى رأيهم و مزق الكتاب، و استشار أصحابه يوم أحد في الخروج عن المدينة أو البقاء فرغب الأكثر في الخروج، و كان رأيه البقاء فوافقهم و خرج و لم يلزمهم بالبقاء، و لو كانت الدنيوية كالدينية لألزمهم.
و عاتبه اللّه تعالى على أخذ الفداء يوم بدر بقوله: مََا كََانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرىََ حَتََّى يُثْخِنَ فِي اَلْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ اَلدُّنْيََا وَ اَللََّهُ يُرِيدُ اَلْآخِرَةَ وَ اَللََّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ `لَوْ لاََ كِتََابٌ مِنَ اَللََّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمََا أَخَذْتُمْ عَذََابٌ عَظِيمٌ [الأنفال: ٦٧] و عاتب رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على الإذن للمتخلفين في غزاة تبوك، بقوله: عَفَا اَللََّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتََّى يَتَبَيَّنَ لَكَ اَلَّذِينَ صَدَقُوا وَ تَعْلَمَ اَلْكََاذِبِينَ [التوبة: ٤٣].
و ليست درجة عليّ في العصمة أعلى من درجة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و أما إظهار الحسين الكراهة من صلح الحسن عليهما السّلام فلأنه صلح مجحف بحقّهم أرغموا عليه إرغاما، فحقّ للحسين أن يكرهه و يكون جزّ الأنف أحبّ إليه منه، و ليس معنى هذا أنه خطّأ أخاه فيما صنعه، بل هو عين المصلحة و الصواب و إن كرهه و صعب عليه، و كان غيره أحبّ إليه لو أمكن.
قال [١] : و يتصل بهذه العصمة قولهم: بأن الأئمة وسطاء بين اللّه و الناس و شفعاء، و إن الاعتقاد فيهم كاف في محو السيّئات و رفع الدرجات، المفضل بن عمر: قلت لأبي عبد اللّه: لم صار عليّ قسيم الجنّة و النار، قال: لأن حبه إيمان و بغضه كفر، و إنما خلقت الجنّة لأهل الإيمان، و النار لأهل الكفر، فهو قسيم الجنّة و النار، لا يدخل الجنّة إلاّ محبّوه و لا يدخل النار إلاّ مبغضوه.
ثم قال: و كتب الشيعة مملوءة بالأحاديث و الأخبار الدالّة على هذا المبدأ و فيه هدم لمبدأ الإسلام الجميل و هو مسؤولية الإنسان و إن قيمة كلّ إنسان عمله،
[١] م. ن: ٣/٢٣٤ الطبعة الثالثة.