الشيعة في مسارهم التاريخي - الأمين، السيد محسن - الصفحة ١٤٤ - كلام الرافعي في حق الشيعة
و حكمته الباهرة، و أدبه العربي الفائق المعجز و استمرّوا على ذلك حتّى صاروا في زمان الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلّم يعدّون بالألوف و عشراتها و كلّهم من حملة القرآن و حفّاظه، و لمّا توفي الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلّم فلا يرجى للقرآن نزول تتمة رأي المسلمين أن يسجّلوه في مصحف جامع، فجمعوا مادّته على حين إشراف الألوف من حفّاظه فاستمرّ على هذا الاحتفال العظيم جيلا بعد جيل، و لم يتفق لأمر تاريخي من التواتر و بداهة البقاء ما اتفق للقرآن كما وعد اللّه جلّت آلاؤه بقوله: إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ وَ إِنََّا لَهُ لَحََافِظُونَ و قوله: إِنَّ عَلَيْنََا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ [القيامة: ١٧]و لئن سمعت في الروايات الشاذّة شيئا في ضياع بعضه فلا تقم له وزنا و قل ما يشاء العلم في اضطرابها و وهنها و ضعف رواتها و مخالفتها للمسلمين و ما ألصقته بكرامة القرآن مما ليس به شبه.
ثم أورد شيئا من تلك الروايات، و ذكر في الحاشية ما روي من أنه جمعه في زمان النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم معاذ بن جبل، و عبادة بن الصامت، و أبي بن كعب، و أبو أيوب الأنصاري، و أبو الدرداء، و زيد بن ثابت، و سعد بن عبيد، و أبو زيد، و إن ممن ختمه و النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم حيّ عثمان، و عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، و عبد اللّه بن مسعود، و قول زيد بن ثابت: كنّا عند رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم أو حول رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم نؤلّف القرآن من الرقاع.
و بذلك تعلم ما هي قيمة هذه الأراجيف التي يرجف بها هؤلاء على الشيعة، و إن هذه الروايات الشاذّة التي لا يعوّل عليها قد رواها شاذّ من الفريقين.
و يدلّ على ذلك ما عن الجزء الخامس عن مسند أحمد بن حنبل [١] ، عن أبي بن كعب، قال: إن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم قال: إن اللّه أمرني أن أقرأ عليك القرآن، فقرأ: لم يكن الّذين كفروا من أهل الكتاب، فقرأ فيها: لو أن ابن آدم سأل واديا من مال فأعطيه لسأل ثانيا فلو سأل ثانيا فأعطيه لسأل ثالثا، و لا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التراب، و يتوب اللّه على من تاب و إن ذلك الدين القيم عند اللّه الحنيفية غير المشركة و لا اليهودية و لا النصرانية، و من يعمل خيرا فلن يكفره، و ذكر رواية
[١] مسند أحمد: ٥/١٣١، ١٣٢.