الشيعة في مسارهم التاريخي - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٢٥٠ - كلام للذهبي في تذكرة الحفاظ
توحيد المؤمنين، قد كانت الأمة منه في عافية، و قويت شوكة الرافضة و المعتزلة و حمل المأمون المسلمين على القول بخلق القرآن و دعاهم إليه فامتحن العلماء فلا حول و لا قوة إلاّ باللّه، إن من البلاء أن تعرف ما كنت تنكر و تنكر ما كنت تعرف، و يقدم عقول الفلاسفة، و يعزل منقول أتباع الرسل، و يماري في القرآن، و يتبرّم بالسنن و الآثار، تقع في الحيرة فالفرار قبل حلول الدمار و إيّاك و مضلاّت الأهواء و مجاراة العقول، و من يعتصم باللّه فقد هدي إلى صراط مستقيم.
أقول: عدّ الذهبي علم الكلام و المنطق و رصد الكواكب علما جديدا مرديا، و لم يصب في ذلك و فتح الباب لمن يريد أن يعيب الإسلام بأنه دين جمود و جهل -و حاشاه من ذلك-فهو الّذي حثّ على العلم و النظر و الاستدلال، و أمر بطلب العلم من المهد إلى اللّحد و بطلب العلم و لو في الصين [١] : هَلْ يَسْتَوِي اَلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ اَلَّذِينَ لاََ يَعْلَمُونَ [الزمر: ٩] إِنَّمََا يَخْشَى اَللََّهَ مِنْ عِبََادِهِ اَلْعُلَمََاءُ [فاطر:
٢٨]فعلم الكلام و الاستدلال به تقوم الحجّة على إثبات العقائد الحقّة التي لا يجوز فيها التقليد، و تجب معرفتها بالدليل، و علم المنطق معين على قوّة الاحتجاج و صحّة الاستدلال، و رصد الكواكب مطلع على آثار قدرة اللّه و عظيم صنعه و عجائب خلقه مندوب إليه بمقتضى قوله تعالى: أَ وَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ مََا خَلَقَ اَللََّهُ مِنْ شَيْءٍ [الأعراف: ١٨٥]. أَ وَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مََا خَلَقَ اَللََّهُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مََا بَيْنَهُمََا إِلاََّ بِالْحَقِّ [الروم: ٨]. إِنَّ فِي خَلْقِ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اِخْتِلاََفِ اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهََارِ لَآيََاتٍ لِأُولِي اَلْأَلْبََابِ -إلى قوله- وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ رَبَّنََا مََا خَلَقْتَ هََذََا بََاطِلاً [آل عمران: ١٩٠- ١٩١]. أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى اَلسَّمََاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنََاهََا وَ زَيَّنََّاهََا وَ مََا لَهََا مِنْ فُرُوجٍ [ق: ٦]. و ليس في شيء من ذلك ما ينافي علم النبوّة و لا توحيد المؤمنين بل يصدق علم النبوّة و علم القرآن الّذي فيه تبيان كلّ شيء و يؤيد توحيد المؤمنين و يشدّ قلوبهم بالإيمان.
[١] إشارة لقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: (اطلبوا العلم و لو بالصين، فإن طلب العلم فريضة على كلّ مسلم) ، كنز العمال:
١٠/١٣٨ ح ٢٨٦٩٧، تاريخ بغداد للخطيب: ٩/٣٦٤.