الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٥٠ - أسباب التعصب المذهبي و تطور الدعوة
و قد أفصح التاريخ عن كثير من ذلك مما لا حاجة لذكره الآن. و من المناسب أن نختم هذا الفصل بما ذكره الأستاذ السيد محمّد رشيد رضا، في جواب الأسئلة التالية الموجهة إليه من باريس، من صديقه أحمد زكي بك و هي:
١- متى أقفل باب الاجتهاد؟ و ما ذا ترتب على هذا الإقفال من المنافع و المضار؟
الجواب: زعموا أنه أقفل بعد القرن الخامس، و لكن كثيرا من العلماء اجتهدوا بعد ذلك، فلم يكونوا يعملون إلّا بما يقوم عندهم من الأدلة، و لا يخلو زمن من هؤلاء، كما صرح بذلك علماء الشافعية.
و لو لا خوفهم من حكومات الجهل لبيّنوا للناس مفاسد التقليد الذي حرمه اللّه.
و دعوهم إلى العمل بالدليل كما أمر اللّه، و قد علمت الحكومة العثمانية- منذ عهد قريب- بأن بعض علماء الشام يحملون تلاميذهم على ترك التقليد و العمل بالدليل، فشددت عليهم النكير حتى سكتوا عن الجهر بذلك.
و لا نعرف في ترك الاجتهاد منفعة ما، و أما مضاره فكثيرة و كلها ترجع إلى إهمال العقل و قطع طريق العلم، و الحرمان من استقلال الفكر. و قد أهمل المسلمون كل علم بترك الاجتهاد فصاروا إلى ما نرى.
٢- ما معنى قولهم أقفل باب الاجتهاد؟
الجواب: معناه أنّه لم يبق في الناس من تتوفر فيه شروط المجتهد، و لا يرجى أن يكون ذلك في المستقبل، و إنما قال هذا القول بعض المقلّدين، لضعف ثقتهم بأنفسهم، و سوء ظنّهم بالناس، و زعمهم أن العقول دائما في تدلّ و انحطاط، و غلو في تعظيم السابقين.
و قد رأي أن تلك الشروط- أي شروط الاجتهاد- ليست بالأمر الذي يعز مثاله، و تعلم أن سنّة اللّه تعالى في الخلق الترقي إلّا أن يعرض مانع، كما يعرض لنمو الطفل مرض يرجعه القهقرى. كان آخر الأديان أكملها.
٣- ما معنى هذه العبارة: قفل باب الاجتهاد، عند العامة و عند أهل التحقيق؟
الجواب: العامة يقلّدون آباءهم و رؤساءهم في قولهم: إن أهل السنّة ينتمون إلى أربعة مذاهب من شذّ عنها فقد شذّ عن الإسلام. و لا يفهمون أكثر من هذا.