الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٤٨ - الإمام أحمد يحارب التقليد
قال صاحب المنار: و قد كان هذا الإمام الجليل متأخرا قليلا عن «الأئمة الثلاثة» و إن أدرك بعضهم و صحب أحدهم و كان قد رأى بوادر التزام تقليد الذين تكلموا في الأحكام و كتبوا فيها، و علم أن مالكا «(رحمه اللّه)» قد ندم قبل موته إذ نقلت أقواله و فتاويه قبل موته، و لذلك لم يدون مذهبا، و اقتصر على كتابة الحديث، و لكن أصحابه جمعوا من أقواله و أجوبته و أعماله ما كان مجموعه مذهبا، كما قال العلامة ابن القيم [١].
و قال سلمة بن المسيب: سمعت أحمد بن حنبل يقول: رأي الأوزاعي و رأي مالك، و رأي أبي حنيفة كله رأي، و هو عندي سواء و إنما الحجة في الآثار [٢]!.
يقول السيد صديق حسن، بعد نقله لأقوال أئمة المذاهب في النهي عن تقليدهم: فإنّهم- رضي اللّه عنهم- قد نهوا عن الرأي و التقليد، و صرح بعضهم بأن الاستحسان بدعة، و لكن مقلديهم باللسان دون الجنان، لم يرضوا بهذا النهي و قالوا نحن مقلدوكم شئتم أو أبيتم- و هم و اللّه يعلم- أنهم كاذبون. (الدين الخالص ج ٤ ص ٣٧٣).
و الشيء الذي نود التنبيه عليه هنا أن أتباع أحمد قد تمسكوا بتقليده و الأخذ بأقواله، بل جعلها بعضهم كأقوال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و هي بمثابات ما يروى عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من الآثار [٣].
هذا ما أردنا ذكره في هذا العرض الموجز عن أئمة المذاهب، و نحن لا نريد أن نحط من كرامة واحد منهم، أو نتعصب عليه، و لكني كما قلت سابقا: إن من الحق و الإنصاف أن نعطي شخصية كل واحد من أئمة المذاهب حقها من الدراسة المتجردة عن التعصّب و التحيّز، و أن لا ننقاد للعواطف، و لننظر الواقع بعين تبصر الحقائق كما هي.
و بدون شك أن ذلك التعصّب الطائفي قد أوجد مشاكل اجتماعية فرقت الكلمة و كدرت صفو الأخوة. و ما أحوج المسلمين إلى الإلفة و الاتحاد و هي دعوة رفع الأئمة بها أصواتهم و كان تعاليمهم تحث على الوحدة و الاتفاق. فالتعصّب ينافي المبادئ
[١] الوحدة الإسلامية ص ١١٧.
[٢] الإيقاظ للغلاف ص ٢٨.
[٣] طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى ج ٢ ص ١٧٦.