الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٥١٤
و استخرجوها من الأحاديث هي أقوال أبي حنيفة و آرائه، و بهذا تكوّن المذهب و نسب المجموع إليه.
و هكذا مذهب مالك بن أنس فقد تولى نشره سلطان الأندلس، عند ما بلغه ثناء مالك عليه، و كان يحيى بن يحيى المتوفى سنة ٢٣٣ ه مكينا عنده، قال أحمد بن خالد: لم يعط أحد من أهل العلم بالأندلس- منذ دخلها الإسلام- من الحظوة و عظيم القدر، و جلالة الذكر ما أعطيه يحيى بن يحيى.
و كان السلطان لا يولي قاضيا في أقطار الأندلس إلّا بمشورته و اعتباره، و لا يشير إلّا بأصحابه، و الناس سراع إلى الدنيا. فأقبلوا على ما يرجون به بلوغ ما يرضيهم [١].
كما أن مالك نفسه كان مكينا عند العباسيين يصلونه بجوائزهم، و يرفعون من شأنه، حتى أن الأمراء كانوا يخشون سطوته، و الحرس يأتمرون بأمره، بسجن من يريد سجنه، و إطلاق من يريد إطلاقه، و كان يحضر عند الوالي، فيعرض عليه السجن فيأمره بضرب هذا مائة، و هذا مائتين، و قطع هذا، و صلب ذاك [٢].
و حاول المنصور أن يجعل مالك هو المصدر للتشريع، فنهى غيره من العلماء عن الإفتاء، و طلب منه أن يضع كتابا يحمل الناس على العمل به.
و قد رأينا فيما سبق أن المنصور قد غضب عليه قبل ذلك لفتوى تخالف غرضه، فعذّب مالك، و ضرب خمسين سوطا حتى انخلعت كتفه. و هذا ما يدلّنا على أن المنصور يناصر العلماء ما لم تمس تعاليم أحدهم بصالح سلطانه، فهو يرى أن مركز الخلافة فوق كل شيء، و قد طارد العلماء الذين انتقدوا أعماله.
أما الشافعي- و هو تلميذ مالك و من عداد أهل الحديث- فقد انتشر مذهبه بمصر بواسطة تلامذته، و مكانتهم في مجتمعهم، و قد زاحم مذهبه مذهب مالك حتى تعصب عليه أصحاب مالك فقتلوه شهيدا [٣] و جاءت الدولة الأيوبية، و كان ملوكها شافعية، فناصروا مذهب الشافعي و نشروه، و بنوا له المدارس، فأقبل الناس عليه.
[١] ابن خلكان ج ٢ ص ١١٦.
[٢] مالك بن أنس لأمين الخولي ص ٣١٩.
[٣] توالي التأسيس لابن حجر ص ٨٦.