الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٥٠٦ - ملاحظات حول انتصار الحنابلة
و هم مسئولون عن انتكاسهم بعد ذلك النشاط، و هزيمتهم أمام قوة المحدثين، و رجوع الأكثرية إلى الجمود، و التسليم خضوعا للعاطفة، و امتثالا لأمر السلطة، يقول المسعودي: لما أفضت الخلافة للمتوكل أمر بترك النظر، و المباحثة في الجدال، و الترك لما كان عليه الناس في أيام المعتصم و الواثق، و أمر الناس بالتسليم و التقليد، و أمر الشيوخ المحدثين بالتحديث و إظهار السنّة و الجماعة.
و قال الدكتور أحمد أمين: و لما ذهب ضوء المعتزلة، وقع الناس تحت سلطان المحدثين و أمثالهم من الفقهاء، و ظلوا تحت هذا السلطان من عهد المتوكل إلى ما قبل اليوم بقليل، فكانت النتيجة جمودا بحتا، و علم العالم أن يحفظ الأحاديث و يرويها كما سمعها و يفسّرها تفسيرا لغويا، و يشرح رجال السند كما شرحه الأقدمون: هذا ثقة، و هذا ضعيف. من غير نقد عقلي؛ و فقه الفقيه أن يروي أقوال الأئمة قبله، فإذا عرضت مسألة جديدة لم تكن، فقصارى جهد المجتهد أن يخرجها على أصول إمامه، فهذه طبائع العلماء من عهد المتوكل، تسليم بالقضاء و القدر، و تسليم بما كان و يكون، و تقليد للسابقين، و تقليد في الفتاوى و الآراء، و من ثمة تكاد تكون الكتب المؤلّفة في الحديث و الفقه و التفسير، بل و النحو و اللغة من عهد المتوكل صورة واحدة، و إن اختلفت في شيء فاختلاف في الإطناب و الإيجاز، و البسط و الاختصار، أما الترتيب فواحد و أما الأمثلة فواحدة، و أما العبارة الغامضة في الكتاب الأول فغامضة في الكتاب الأخير، كلها خضعت لأمر المتوكل بالتسليم و التقليد، و انعدمت فيها كلها الشخصية. لأن الشخصية عدوة التسليم و التقليد، و لو بقي الاعتزال لتلون المسلمون بلون آخر أجمل من لونهم الذي تلونوا به [١].
ملاحظات حول انتصار الحنابلة:
و على ضوء ما تقدم يجب أن نلحظ الأمور التالية:
١- إن ذلك الضغط الذي فرضه المعتزلة كان سببا في زيادة النتائج السيئة التي أدت إلى أفول نجمهم و هدم كيانهم. كما و أن المحدثين قد نفعهم ذلك بالتفاف الجماهير حولهم، حتى اكتسبوا النصر و رجحت كفتهم، فقابلوا المعتزلة بالمثل؛ بل زادوا على ما فعل أولئك من الانتقام من خصومهم، و ازدياد نشاطهم إلى إيجاد أمور
[١] ضحى الإسلام، أحمد أمين ج ٣ ص ٢٠٣- ٢٠٤.