الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٥٠٥ - انتصار المحدثين
بجنبه، فقال أبو محمّد التميمي من بين الجماعة: كيف تدفنونه في قبر الإمام أحمد و بنت أحمد مدفونة معه!! فإن جاز دفنه مع الإمام فلا يجوز دفنه مع بنته؟ فقال بعض العوام: اسكت فقد زوجنا بنت أحمد من الشريف (أي أبو جعفر) فسكت التميمي [١] و دفنوه مع أحمد في قبره! و هكذا تسير الأمور على غير ترو و تدبر و يبتلى المسلمون بهذا البلاء، و تقع تلك الحوادث المؤلمة التي صدعت وحدة الصف، و فرقت الكلمة، و فسحت المجال لخصوم الإسلام للتدخّل في ذلك المعترك، لبثّ أفكارهم المسمومة و نشر آرائهم الفاسدة.
لقد كان هذان المعسكران في صراع فكري و نزاع عقائدي، و كان الأولى ألا يتعدى ذلك حدود المنطق و النقاش العلمي، و أن يقتصر ذلك على العلماء المفكرين، و من الخطأ أن يفرض تقبّل الآراء الفلسفية على العوام، و يراد منهم أن يعرفوا الجوهر و العرض، و الكمية و الكيفية، و المحدود و اللامحدود، و المكان و الجهة ...
فالمعتزلة- و هم قادة تلك الحملة- كانوا الداعين إلى حرية الفكر، و القائلين بسلطة العقل، قد خالفوا دعوتهم فعاملوا الناس بالشدة، و قوة السلطة، و التعذيب و التنكيل و الإهانة، مما حمل العامة على التذمّر و الالتفاف حول من يعهد به مقاومة تلك الشدة، و مخالفة السلطة حتى كان ما كان من تعلّق الجماهير بشخصية أحمد و جعلها في هالة القداسة و العظمة، و ازداد نشاطهم في المنامات كثرة هائلة، حتى توصلوا إلى تأييد قولهم في خلق القرآن إلى إيجاد منام أشبه بمحاكمة، و تكون النتيجة أن اللّه سبحانه و تعالى يصدق قول أحمد، و يصوّب رأيه.
و جعلوا جنة عدن وقفا على الحنابلة لا يدخلها إلّا من أحب أحمد [٢] إلى غير ذلك مما نشط فيه العوام، و تلقوه من القصاصين في لزوم التمسك بمذهب أحمد، و اعتبار غيرهم مبتدعة كفرة، و بهذا الاندفاع فقد تغيرت الأحوال، و انعكست المفاهيم، و حدث من وراء ذلك ما لا تحمد عقباه.
فعمل المعتزلة و تشددهم يعد في الواقع هو السبب في إثارة تلك الأعاصير،
[١] شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي ج ٣ ص ٣٣٧.
[٢] مناقب أحمد لابن الجوزي ص ٤٤٧- ٤٤٨- ٤٤٩.