الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٩٨ - بين معسكرين
الأمويين إلى عهد هشام بن عبد الملك: أنه كان يلقن بعض المسيحيين ما يجادلون به المسلمين فيقول: (إذا سألك العربي: ما تقول في المسيح؟ فقل إنه كلمة اللّه، ثم ليسأل النصراني المسلم: بم سمي المسيح في القرآن؟ و ليرفض أن يتكلم بشيء حتى يجيبه المسلم، فإنه سيضطر إلى القول إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول اللّه، و كلمته ألقاها إلى مريم، و روح منه. فإذا أجاب بذلك، فاسأله عن كلمة اللّه و روحه، أو مخلوقة أم غير مخلوقة؟ فإن قال مخلوقة، فليرد عليه بأن اللّه كان و لم تكن كلمة و لا روح، فإن قلت ذلك فسيفحم العربي، لأن من يرى هذا الرأي زنديق في نظر المسلمين).
فالمعتزلة يرون أن من يقول إن القرآن قديم يمد النصارى بحجة يجادلون بها، و أن من الواجب ألّا يقال ذلك، لأنه يعطي للخصوم حجة على الإسلام، و يفتح الثغرة لمن ينالون منه، و ليس هو الحق، و من قاله فقد ضاهى قول النصارى في المسيح، و حكم بتعدد القدماء، و جعل القرآن الذي ينطق به الناس قديما كشأن اللّه سبحانه و تعالى [١].
و كان المحدثون يرون ألا يخوضوا في شيء لم يخض فيه السلف، كما أنّهم يمنعون عن الفلسفة و الكلام، لأنهم يرون أن العامة إذا تفلسفوا ألحدوا. و إذا قيل لهم إن القرآن مخلوق فذلك يساوي أنه يصح الرد عليه، يجوز الإتيان بمثله؛ أو أنه يؤدي إلى الاستهانة به، إلى غير ذلك مما توحيه إليهم عواطفهم و ما يرونه لازما عليهم.
و هذه المسألة في الواقع مسألة علمية يجب أن تبحث و تناقش نقاشا منطقيا، ليظهر للملإ أحقية أي الحزبين.
و كذلك الخلاف في رؤية اللّه سبحانه و تعالى و صفاته، ينبغي أن تناقش بعلمية و يترك الأمر للبراهين و الحجج ليتضح الحق.
و قد سلك المعتزلة في تأييد مذاهبهم طريق القوة، و استعملوا الشدة و أخذوا الناس بالمحنة، و جاءوا بالعلماء من أطراف البلاد، ليحاكموهم، و يمتحنوهم في عقائدهم، و يتحكمون في ضمائرهم. فمالوا عن توجههم الفكري، و وقعوا في تناقض عملي صريح.
[١] ابن حنبل لمحمّد أبو زهرة ص ٦٤.