الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤١٤ - مناظرات الإمام حول الإسلام و مبادئه
فأجابه الإمام جعفر: «كيف اختفى عنك من أظهر قدرته في نفسك أنت، و في نمائك؟!!» و كان جوابا بليغا حتى قال ابن أبي العوجاء لأصحابه: و ظل يحصي لي قدرة اللّه التي في نفسي، و التي لم أستطع رفضها حتى ظننت أن اللّه قد نزل بينه و بيني [١].
و له مناظرة أخرى:
كان ابن أبي العوجاء و ابن طالوت و ابن المقفع في نفر من الزنادقة مجتمعين في الموسم بالمسجد الحرام، و أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد (عليهما السلام) فيه إذ ذاك يفتي الناس و يفسّر لهم القرآن، و يجيب عن المسائل بالحجج و البينات، فقال القوم لابن أبي العوجاء: هل لك في تغليط هذا الجالس و سؤاله عما يفضحه عند هؤلاء المحيطين به، فقد ترى فتنة الناس به و هو علّامة زمانه؟
فقال لهم ابن أبي العوجاء: نعم. ثم تقدم ففرق الناس فقال: يا أبا عبد اللّه أ فتأذن لي في السؤال؟ فقال له أبو عبد اللّه: «سل إن شئت». فقال ابن أبي العوجاء:
إلى كم تدوسون هذا البيدر، و تلوذون بهذا الحجر، و تعبدون هذا البيت المرفوع بالطوب و المدر، و تهرولون حوله هرولة البعير إذا نفر؟ من فكّر في هذا و قدّر علم أنه فعل غير حكيم و لا ذي نظر، فقل فإنك رأس هذا الأمر و سنامه، و أبوك أسسه و نظامه.
فقال له الإمام الصّادق (عليه السلام): «إن من أظله اللّه و أعمى قلبه، استوخم الحق فلم يستعذبه، و صار الشيطان وليه، يورده مناهل الهلكة و ثم لا يصدره. و هذا بيت استعبد اللّه به عباده ليختبر طاعتهم في إتيانه، فحثهم على تعظيمه و زيارته، و جعله محل أنبيائه و قبلة للمصلين له، فهو شعبة من رضوانه، و طريق يؤدي إلى غفرانه، منصوب على استواء الكمال، و مجتمع العظمة و الجلال، خلقه اللّه قبل دحو الأرض بألفي عام، فأحق من أطيع فيما أمر، و النهي عما نهى عنه و زجر، هو اللّه المنشئ للأرواح و الصور».
فقال له ابن أبي العوجاء: ذكرت يا أبا عبد اللّه فأحلت على غائب.
فقال الإمام الصّادق (عليه السلام): «كيف يكون غائبا من هو مع خلقه شاهد، و هو أقرب إليهم من حبل الوريد، يسمع كلامهم، و يعلم أسرارهم، لا يخلو منه مكان و لا
[١] من تاريخ الإلحاد للأستاذ عبد الرّحمن بدري ص ٦٩.