الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤١٣ - مناظرات الإمام حول الإسلام و مبادئه
من الزنادقة المشهورين، و قتل على الزندقة، و اعترف عند قتله بدسّه الأحاديث الكاذبة في أحاديث النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).
فمن تلك المناظرات: أنّه كان هو و ابن المقفع [١] في المسجد الحرام يلاحظان الجمع الذي كان يقوم بالطواف حول الكعبة، فقال ابن المقفع لأصحابه: لا واحد من هؤلاء يستحق اسم الإنسانية إلّا هذا الشيخ الجالس (و أشار إلى جعفر بن محمّد الصّادق) أما الباقون فرعاع و بهائم، فقام ابن أبي العوجاء إلى الشيخ و تحدث معه ثم رجع و قال: ما هذا ببشر! و إن كان في الدنيا روحاني يتجسد إذا شاء ظاهرا، و يتروح إذا شاء باطنا فهو هذا.
و حينما اقترب من الإمام و أصبحا منفردين قال له الإمام الصّادق: «لو كان الأمر كما يقول هؤلاء (و أشار إلى الجمع القائم بالطواف)- و هو حق كما يقولون- نجا هؤلاء و عطبتم، أما إذا انعكس الحال و كان على ما تقولون- و هو ليس كما تقولون- فأنتم و إياهم سواء».
فسأله ابن أبي العوجاء: رحمك اللّه أيها الشيخ أي شيء نقوله نحن، و أي شيء يقولونه هم؟
فأجابه الإمام جعفر: «أنى لما تقولون أن يكون كما يقولون!؟ هم يقولون بالمعاد، و الوعد و الوعيد، و أن للسماء إلها، و بها عمرانا، بينما تزعمون أن السماء خراب و ليس بها أحد».
فقال ابن أبي العوجاء: لو كان الأمر كما تقول، فما منع اللّه من الظهور لجميع خلقه، و دعوتهم إلى عبادته حتى لا يصبح اثنان فيهم على خلاف؟ لما ذا اختفى عنهم، و مع ذلك أرسل إليهم رسلا؟ لو كان قد ظهر بذاته لهم، لكان ذلك أسهل إلى الاعتقاد به.
[١] هو عبد اللّه بن المقفع، ولد سنة ١٠٦ أو ١٠٧ ه في قرية من قرى فارس اسمها (جور) و موضعها فيروزآباد، و يقول ابن النديم: أنه اسمه بالفارسية (روزبه) و معناه (المبارك) و اسم أبيه (داذوبه) فلما أسلم تسمى بعبد اللّه و تكنى بأبي محمّد، و كان حسن الأدب، واسع العلم، حاد الذكاء، و يعد في طليعة الكتّاب الحاذقين، و قد استعمله بعض الولاة و الأمراء للكتابة في دواوينهم. رمي بالزندقة و الإلحاد، و حقد عليه المنصور لأمور كثيرة، و قد قتله سفيان بن يزيد قتلة شنيعة، و ذلك أنه أمر بتنور فاسجر، ثم أمر بابن المقفع فقطع و ألقي في التنور و أطبق عليه.