الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣٤٨ - جهاده و دفاعه عن الإسلام
يريدون أن يرتفع صوت الاستنكار على أعمالهم، لأنّهم يدّعون أنّهم أئمة عدل، و أنصار حق، و لهم أهلية وراثة النبي، و الاختصاص بسلطانه. و الواقع أنهم على خلاف ما يدّعون، و لكنهم يريدون إغراء البسطاء من الناس.
لقد عظم عليهم مركز الإمام الصّادق، و كانت شخصيته تثير مخاوفهم، و لم يستطيعوا أن يؤاخذوه بما يبرّر لهم الانتقام منه، و الانتفاضة عليه، و قد التجأ المنصور إلى خلق اتهامات و تزوير كتب، يحاول من ورائها أن يفسح له المجال في الوقيعة فيه، و لكن محاولته باءت بالفشل و سعيه بالخسران.
و هكذا بقي (عليه السلام) عرضة للخطر، و لكنه مؤمن باللّه فلا يخشى من دونه أحدا.
و في ذلك العصر المضطرب بدأ التنازع بين الدّين و الفلسفة، و بين الإسلام و العقائد التي جاء الإسلام لمحاربتها، و ظهرت بوادر الجدل العقلي و علم الكلام، فكان موقفه من تلك التيارات وسط ذلك النزاع و الجدل موقف العالم المناضل عن الدّين، و المدافع القوي بحجته و وضوح برهانه، الراجح في عقله و استدلاله يدافع عن الإسلام بما يقرّه العلم الصحيح، و يخضع له العقل السليم، و يرتاح له الضمير، و يدلي بآرائه على خصومه، بمنطق يدخل إلى آذان سامعيه، فينفذ إلى قلوبهم فلا يجدون بدا من التسليم لقوله الحق و منطقه الصائب.
فكان (عليه السلام) لا يجارى في استدلال، و لا يغلب في برهان، بل كان هو المتفوق و السابق في كل مضمار.
و قد شعر دعاة الإلحاد بخطر موقفه لرد كل شبهة، و محاربة كل فكرة من طريق العلم و المنطق فعظم عليهم ذلك، و نظروا إليه نظرة ملؤها غضب و حقد، و حاولوا أن يقفوا في طريق دعوته الإصلاحية كما وقف هو (عليه السلام) في طريق نشر مبادئهم الإلحادية، و توصلوا إلى حل ناجح و هو انضمام بعض دعاة الإلحاد إلى مدرسته، و ادعاء حب أهل البيت لكي يفسدوا بذلك بعض الأمور بروايتهم عنه و كذبهم عليه، و ارتكابهم أمورا لا تتفق مع مبادئ الإسلام.
و بهذا يلزمنا أن نشير إلى مشكلة الغلاة في عصره.
و نود هنا أن نستعرض حركة الغلاة و نشأتها، و تطورها، لنقف على العوامل التي جعلت الكثير من المؤرخين و الكتّاب، يذهبون إلى وجود العلاقة بينهم و بين شيعة أهل البيت، بل ذهب البعض إلى وصف الشيعة بالغلو، و كل ذلك ناشئ عن التجني