الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٧٤ - معاصرته للحكم الأموي
و لو لا إسهام علماء القصور و فقهاء الملوك في هذه الحملة لكان أمرها سياسيا يتصل بمصالح السلطة و شئون الحكم، لكن المؤلم أن الظلمة تحكموا بالناس بوسائل القوة الغاشمة من جهة، و بوسائل الدين من جهة أخرى.
يقول الشعبي: ما ذا لقينا من آل علي إن أحببناهم قتلنا، و إن عاديناهم دخلنا النار.
و قد مرّت الإشارة إجمالا- في الأجزاء السابقة- إلى تلك الدعايات و أساليبها، و مدى تأثّر المجتمع فيها.
و على أي حال فإن الإمام الصّادق (عليه السلام) قضى من عمره في الحكم الأموي ما يقارب نصف قرن، و قد شهد انتقال الدولة منهم إلى بني العباس، و شاهد ذلك النشاط السياسي الذي عصف بتلك الدولة فهدم أركانها، و محاها من صفحة الوجود، كما عصف بأرواح الناس و أموالهم، و قد اتضح لنا رأيه و موقفه وسط ذلك المعترك، و سنرى فيما بعد رأيه في معالجة المشاكل و موقفه في إصلاح الوضع.
و خلاصة القول إن الإمام الصّادق (عليه السلام) قد شاهد في عصر أولئك الحكام أنواع الظلم و ضروب المحن، من سوء السيرة في الأمة، و جور الحكم في الرعية.
و قد تراكمت المصائب على أهل البيت، و توالت عليهم الحوادث من قتل و تشريد، و فرض مراقبة شديدة، و منع الأمة من الاتصال بهم، و الانتهال من نمير تعاليمهم. و شاهد جده الإمام زين العابدين (عليه السلام) على فراش الموت، متأثّرا من السم الذي دسّه الأمويون له، فقضى نحبه (صلوات اللّه عليه) سنة ٩٤ ه.
و كذلك شاهد أباه الإمام الباقر (عليه السلام) على فراش الموت، و لفظ أنفاسه مسموما بيد أولئك الطغاة، الذين صعب عليهم انتشار ذكره و اتساع آفاق دعوته، و نشاط مدرسته و ذلك في سنة ١١٤ ه.
و وافاه نبأ مقتل عمّه زيد بن علي (عليه السلام) الثائر على الظلم و المنتصر للعدالة الضائعة، في ظل حكم أولئك الطغاة في سنة ١٢٤ ه.
و حينما أخبر الإمام الصّادق (عليه السلام) عن مقتله و ما جرى عليه، بكى بكاء شديدا، و قال: «إنا للّه و إنا إليه راجعون، عند اللّه أحتسب عمّي» ثم قال: «مضى و اللّه شهيدا، كشهداء استشهدوا مع رسول اللّه و علي و الحسين».