الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٢٦ - أخباره
أخباره:
نشأ الشّافعي يتيما في حجر أمه، و قدمت به مكة خوفا عليه من الضيعة، و ليتلقى دراسته، فاستقبل عهد دراسته على خالد الزنجي و مالك، و كان بطبيعة الحال شديد الحاجة إلى ما يساعده على مواصلة دراسته، لأنه كان فقيرا لا يجد ثمن القرطاس الذي يكتب عليه دروسه، فكان يتعوض عنه بأكتاف الغنم. و قد ساعده مالك بن أنس لسعة حاله، و بعد وفاة مالك التجأ إلى الوساطة لأن يلي عملا للدولة، ليستعين به على زمانه. فعيّن في اليمن، و حمل منها أو من مكة إلى بغداد بتهمة التشيع أو غير ذلك. و كانت بغداد في عنفوان نهضتها العلمية و حركتها الثقافية، و اتجاهها الفكري إلى مختلف العلوم.
و كان الفقهاء في ذلك العصر قد انقسموا إلى أهل رأي يعتمدون في نهضتهم على سرعة أفهامهم، و نفاذ عقولهم، و قوتهم في الجدل. و أهل حديث يعتمدون على السنن و الآثار، و لا يأخذون من الرأي إلّا ما تدعو إليه الضرورة.
و كان الشّافعي قد تفقه على أهل الحديث من علماء مكة، و على مالك من علماء المدينة. و كان يعترف لمالك بالفضل و المنّة فكان يقول: إذا ذكر العلماء فمالك النجم، ما أحد أمنّ عليّ من مالك بن أنس.
و لما ذهب إلى العراق استرعى نظره تحامل أهل الرّأي على أستاذه و المنعم عليه مالك بن أنس و على مذهبه. و كان أهل الرأي أقوى سندا و أعظم جاها بما لهم من المكانة عند الخلفاء، و بتوليتهم شئون القضاء، ذلك لأنهم أوسع حيلة في الجدل من أهل الحديث و أنفذ بيانا [١]. و قد وقعت لكثير من الخلفاء و غيرهم مشاكل، فكان لها مخرج عند أهل الرأي، لذا كانت منزلتهم في الدولة أعظم من غيرهم.
و كان الشافعي قد لازم محمّد بن الحسن عند قدومه العراق، و درس كتبه و أخذ عنه الشيء الكثير، و اطلع على كتب فقهاء العراق، فأضاف ذلك إلى ما عنده من طريقة أهل الحديث.
و عاد الشّافعي من العراق إلى الحجاز، و استمر بمكة يواصل استفادته من الوافدين إلى مكة من علماء الأمصار، و اختلط بهم، ثم عاد إلى العراق مرة ثانية سنة
[١] تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية ص ٢٢١.