الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢١٦ - بذخ الدولة العباسية
المماليك ثمانية آلاف، و مثلهم من الجواري [١] و كذلك المتوكل، و الواثق، و قد كان المتوكل ينفق الأموال خاصة في مجالس الشرب، و بناء القصور، و اتخاذ الجواري.
و إنه لمن المؤسف حقا عدم إنكار العلماء الذين نالوا رضا أولئك الملوك و سعدوا بقربهم، و كيف ينتظر منهم الإنكار و قد استخدموهم لمصالحهم الخاصة و أقاموا منهم ستارا تملى من ورائه إرادتهم، و استعانوا بهم في فسح المجال لمؤاخذة الخصوم بالاتهام و الانتقاص، و لو أنهم رفعوا أصواتهم بالإنكار و انضموا لجانب المعارضين لهان الخطب و اعتدل الأمر، سواء من ناحية أحوال العاملين في العلم و الذين يتبوؤن مواقع الإفتاء و الإرشاد، أو من ناحية الحكم، لأن حضور العالم الذي يعرف ما عليه و هو عند الحاكم يجعل الحاكم يراعي و لو قليلا مبادئ العدل و وصايا الإسلام في الرعية، و لقد ضمت مسانيد و صحاح رؤساء المذاهب أحاديث مشهورة جمعت في هذه الفترة، و لم يكن الأمر غريبا على العلم و لا على سيرة العلماء في التصدي للجائرين، فخير الشهداء من قال كلمة حق عند سلطان جائر. لذلك نرى أن تأريخ أهل البيت يثير في نفوس الحكام مشاعر القلق، و سير رجالهم المعاصرين تبعث فيهم الخوف. أضف إلى أن نصيب من انتمى إليهم من العلماء يكون الضيق و السجن، و قد أشرنا إلى وجود العالم عند الحاكم كما هو واقع الحال. أما الإسلام فيدعو إلى احترام العلم و إجلال العلماء من قبل الحكام و العامة، و كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يشير إلى هذا الأمر الذي سيحدث لمعالجته، و أن خير الحكام من كان على أبواب العلماء، و شر العلماء من كان على أبواب الحكام.
و صفوة القول أن الدولة العباسية قد سارت على طريقة لا تتفق مع نظام الإسلام، مع أنّهم قطعوا على أنفسهم عهودا تبعث بمؤداها على الارتياح بتحقيق مطاليب الأمّة، و جعل نفوذهم السياسي يتمشى مع تعاليم الإسلام جنبا إلى جنب، و لكن تلك العهود ذهبت مع الريح، و كانت أقوالا فارغة و ادعاءات جوفاء.
و الذي نود الإشارة إليه هو أن ذاك الوفر و تلك الثروة الطائلة كان أكثره يصرف
[١] انظر شذرات الذهب ج ٢ ص ٦٣. و مرآة الجنان ج ٣ ص ٩٤.