الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٤٦ - الإمام الشافعي ينهى عن التقليد
فقال الرجل: يا أبا عبد اللّه تركت خلفي من يقول: ليس على وجه الأرض أعلم منك. فقال مالك غير مستوحش: إذا رجعت إليهم فأخبرهم إني لا أحسن [١].
و هذا مما يدل على خطأ ذلك الاعتقاد الذي كونته عوامل غير مشروعة، و أيّدته ظروف خاصة، لذلك أنكر عليهم مالك، إذ هو لم يعرف من نفسه ما قد ادّعاه فيه غيره، و كذلك لم يكن يعرف المتّصلون بمالك، و الذين عرفوا منزلته كما عرفه الناءون عنه، و أخذوا عنه صورة مكبرة رسمتها يد المبالغة و الغلو، فأنكر مالك عليهم ما يدّعونه فيه من العصمة و الوصول إلى درجة الإحاطة بكل العلوم. و اتسع الأمر بعد مالك حتى أصبح قوله يقدم على الكتاب و السنّة كما أشرنا لذلك.
الإمام الشافعي ينهى عن التقليد:
و كذلك الإمام الشافعي كان ينهى عن التقليد، و يدعو إلى العلم من طريقه.
و قد روي عنه أنّه قال: مثل الذي يطلب العلم بلا حجة كمثل حاطب ليل، يحمل حزمة حطب و فيه أفعى تلدغه، و هو لا يدري. ذكره البيهقي.
و قال إسماعيل بن يحيى المزني في أول مختصره: اختصرت هذا من علم الشافعي و من معنى قوله: لأقرّبه على من أراده، مع إعلامية نهيه- أي الشافعي- عن تقليده و تقليده غيره، لينظر فيه لدينه، و يحتاط فيه لنفسه [٢].
و مختصر المزني هذا قد أصبح للشافعية فيه اعتقاد و تمسك شديد، و امتلأت به البلدان، حتى أن المرأة كانت إذا جهزت للدخول على زوجها حمل في جهازها مصحف و نسخة من مختصر المزني [٣].
و قال ابن حجر في توالي التأسيس: قد اشتهر عن الشافعي: (إذا صح الحديث فهو مذهبي). قال ابن القيم: هذا صريح في مدلوله، و أن مذهبه ما دل عليه الحديث لا قول له غيره، و لا يجوز أن ينسب إليه ما خالف الحديث، فيقال هذا مذهب الشافعي، و لا يحل الإفتاء بما خالف الحديث على أنه مذهب الشافعي، و لا الحكم به، صرّح بذلك جماعة من أئمة أتباعه.
[١] الموافقات لأبي إسحاق الشاطبي ج ٤ ص ٢٨٧- ٢٨٨.
[٢] أعلام الموقعين ج ٢ ص ١٨١.
[٣] مختصر المؤمل ص ٣٥.