الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٩٤
وخلقه تعالى أقسام : منهم من يكون له به تمام العناية ، بأن يسدّده ويوفّقه لقبول الحقّ والعمل به زيادةً عن أصل اللطف الذي يشترك فيه هذا وغيره ، وتعلّق الاستنقاذ والمشيّة بهذا ظاهر . وقسمٌ يختار من نفسه الطاعة بالاختيار الذي أعطاه اللّه تعالى كلّ مكلّف ، وهذا أيضاً قد شاء اللّه استنقاذه . ولا يتوهّم من هذا القسم كون الأوّل مجبوراً ؛ فإنّ لطف اللّه تعالى به زيادةً عن غيره لا يقتضي سلب الاختيار ، نعم قد يتّحد مع هذا بأن يكون سبب تلك العناية طاعته وانقياده. وقسمٌ خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيّئاً . وهؤلاء قد يشاء اللّه إدخالهم أو بعضهم في قسم المستنقذين بالعفو عنهم ، وقد لا يشاء بمقتضى عدله . وقسمٌ بقوا على كفرهم أو ضلالتهم وهؤلاء لم يشأ اللّه استنقاذهم ؛ من حيث إنّهم اُعطوا القدرةَ والاختيار ، واتّبعوا أهواءهم من غير جبرٍ لهم على ذلك . ولو شاءاللّه أن يجبر هؤلاء على الطاعة لفَعَلَ ، ولكن حكمة التكليف اقتضت ذلك ، كما قال اللّه [١] تعالى : « وَ لَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَأَمَنَ مَن فِى الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ » [٢] . فمشيّة اللّه تعالى لاستنقاذ من شاء من حيث إنّهم يختارون الطاعة ، أو من حيث علمه بمَن يُطيع ومن لا يُطيع ؛ شاء أن يستنقذ المطيع بالحجج التي يتبعها . وعلمه تعالى غير مؤثّر في المعلوم . والمشيّة لها معانٍ متعدّدة ، لكلّ مقام منها معنى ؛ وستأتي إن شاءاللّه تعالى . الوجه الثاني : أن يكون راجعا إلى «من» وهو عائد الموصول . والمعنى حينئذٍ : أنّه تعالى نَصَبَ الحجج والدلائل لتعلّق إرادته باستنقاذ مَن شاء مِن الخَلْق الاستنقاذ
[١] في «ألف ، ب» : «قاله» بدل «قال اللّه » . وفي «د» : - «اللّه » .[٢] يونس (١٠) : ٩٩ .