الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٦١٠
إذا تبيّن هذا ، فهو تعالى (بَائنٌ مِنْ خَلْقِه) ، أي مباين لهم . ف «مِنْ» جارّة متعلقة باسم الفاعل ، وهو أولى من كونه [١] فعلاً ؛ لدلالته على التحدّد والحدوث ، وهي ليست حادثة ، (وبِذاكَ وَصَفَ نَفْسَه) لقوله تعالى : « لَيْسَ كَمِثْلِهِى شَىْ ءٌ » [٢] . فظهر من هذا الكلام الشريف أنّه ليس المراد برابعهم وسادسهم أنّه مساوٍ لهم ، كما هو مفهوم من مثل هذا الكلام لو استعمل بالنسبة إلى المخلوق ؛ لأنّ معنى رابعُ ثلاثةٍ جاعلُ الثلاثة بنفسه أربعةً ، أي جاعل هذا الجنس ـ الذي أفراده ثلاثةٌ ـ أربعةً ، وذلك لثبوت المبانية ؛ بل المراد به الإحاطة ، فأتى عليه السلام بما هو دليل لهذا البيان ، وهو قوله تعالى : « إِنَّهُو بِكُلِّ شَىْ ءٍ مُّحِيطُم » [٣] . ثمّ لمّا كان المراد بالإحاطة غيرَ معلوم ، قال عليه السلام : (بِالإشْرافِ وَالإحاطَةِ) ، أي إنّ إحاطته ليست كإحاطة الأجسام بعضِها ببعض ، بل هي الإشراف والإحاطة ، أي باطّلاعه على الأشياء وعلمه بها ، وإحاطة ذلك الاطّلاع والعلم بجميع جزئيّاتها . قوله : (والقُدْرَةِ) أي وبإحاطة قدرته جميع الأشياء بحيث لا يعجزه شيء . ثمّ تلا عليه السلام قوله تعالى الدالَّ على أنّ علمه وقدرته شاملة جميع الأشياء « لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِى السَّمَـاوَاتِ وَ لاَ فِى الْأَرْضِ وَ لاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَ لاَ أَكْبَرُ » [٤] ، أي لا يغيب ولا يذهب عنه ، بل كلّها مَحصيّة معلومة له ، ثمّ فسّر الإحصاء الدالّ عليه هذه الآيةُ الشريفة أنّه بالإحاطة والعلم لا بالذات . ثمّ استدلّ على ذلك بقوله عليه السلام : (لأنَّ الأماكِنَ مَحدودةٌ) أي إنّ الأشياء كلّها محتاجة إلى المكان ، والأماكنُ كلّها من حيث المجموع محدودة (تَحويها حدودٌ أربعةٌ) والمكان أيضا داخل في الأشياء ، فلوكانت الإحاطة بالذات ، لزم أن يكون
[١] أي «باين» . كأنّه قيل : العبارة هكذا : «بايَنَ مَنْ خَلَقَهُ» .[٢] الشورى (٤٢) : ١١ .[٣] فصّلت (٤١) : ٥٤ .[٤] سبأ (٣٤) : ٣ .