الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ١٩٤
عليه بالعقاب ولا يكون للمكلّف إلى ذلك سبيل . وهذه قاعدة في مثل هذه المذكورات من الفهم والفطنة والحفظ ونحوها بأن يكون معناها فهم الأشياء وحفظها ، لا أصل الفهم والحفظ كأكثر مواقع العقل ، وهي التي يقع بسببها المدح والذمّ والوعد والوعيد . فمن تعقّل هذا ، خلص من ورطة نسبة الجبر ونحوه إليه تعالى ممّا هو منزّه عنه ؛ فالجاهل ـ وإن كان ذا فطنة وفهم وحفظ ـ لا يَنخَرِطُ [١] في هذا السلك ، فإنّ وصفه بالفهم والحفظ بمعنى أنّه يفهم ما يسمعه ، سواء كان عن عقلٍ أم لا . ومعنى كونه حافظاً أنّ قوّته الحافظة قويّة على حفظ ما يرد عليها ؛ وقس على هذا الفطنة ونحوها . ومعنى كونه عالماً أنّه عالم بما يسمّيه الجهّال علماً ، كما قال أميرالمؤمنين عليه السلام : «قد سمّاه أشباه الناس عالماً وليس بعالم» [٢] ؛ لا أنّه عالم بالعلم الحقيقي ، فإنّه لا يكون ناشئاً إلاّ عن العقل ، فهو عالم بما لا يعتدّ به ، وحافظ وفطن بالمعنى المذكور . وهو غير معتبر ، وإنّما المعتبر ما يترتّب عليه النفع من هذه الأشياء ونحوها ، لا ما يسمّيه صاحبها ونحوه بهذه الأسماء . ولهذا قال عليه السلام في هذا الحديث لإخراج نحو [٣] هذا : «فإذا كان تأييد عقله من النور كانَ عالماً ، حافظاً ، ذاكراً ، فطناً» أي إذا كانَ تأييد عقله للأشياء من المؤيّد ـ الذي دَلَّه عليها وتبعه فيها ـ كائناً من النور الذي خلق اللّه تعالى العقل منه المذكور في الحديث السابق بقوله : «وهو أوّل خلق من الروحانيين عن يمين العرش من نوره» كانَ هذا العاقل عالماً ، حافظاً ، ذاكراً ، فطناً ، فهماً ، أي كانَ هذا هو الموصوف بهذه في الحقيقة ؛ واللّه أعلم . وعلى الثاني ، وهو أن يراد بالعقل الغريزة ، فالمعنى حينئذٍ أنّ عماد الإنسان في أعضائه وقواه وحواسّه الظاهرة والباطنة وغيرها هو العقل ، فإنّه مع عدمه لا تميز له عن سائر الحيوانات ، بل هي متميّزة عليه ، فإنّه إنّما يستحقّ الإنسانيّة بالعقل . وهذه الغريزة يحصل منها الفطنة والفهم والحفظ والعلم التي يتفطّن بها ويفهم ويحفظ ، ويعلم ما ينبغي أن يدرك بها ويحصل ، فيخرج ما خرج أوّلاً ، فلا حاجة إلى إعادته .
[١] انخرط الرجلُ في الأمر : ركب فيه رأسه من غير علمٍ ولا معرفة . لسان العرب ، ج ٧ ، ص ٢٨٥ (خرط) .[٢] نهج البلاغة ، ص ٥٩ ، الخطبة ١٧ ؛ الاحتجاج ، ج ١ ، ص ٢٦٣ ، احتجاجه عليه السلام على من قال بالرأي في الشرع ... ؛ كشف اليقين ، ص ١٨٦ ؛ وفي بحارالأنوار ، ج ١٠١ ، ص ٢٦٧ ، باب أصناف القضاة و ... ح ٢١ عن نهج البلاغة .[٣] في «د» : «مثل» .