الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ١١٥
كلّ مكلّف استطاعة يفعل بها ما يشاء من الخير والشرّ ؛ فاللّه سبحانه منزَّه عن أن يخذل من لا يستحقّ الخذلان بسوء فعله الذي صار سبباً للتخلية بينه وبين ما يريد ، ومنعه العناية التي تميله وتصرفه عمّا يفعله بسوء اختياره ، وإذا رأى من عبد طاعةً وانقيادا ، أمَدَّه بالتوفيق والعناية اللذين يتقوّى بهما ميله ودواعيه إلى ما يقرّبه إلى رضاه ويبعّده عن معصيته ، وهذه زيادة عن أصل اللطف بكلّ مكلّف ، فهذا ـ واللّه أعلم ـ معنى التوفيق والخذلان منه تعالى . وقد يتدارك اللّه بتفضّله وعفوه بعض أهل الخذلان بالإمداد بالتوفيق إلى الإيمان ؛ ولهذا قال رحمه اللّه : (فذاك في المشيّة) وذلك إتمامٌ لأصل إيمانه الذي نقص باتّباعه الإستحسان والميل مع كلّ ناعق . وقد يكون ميله إلى من يهديه بتوفيق اللّه تعالى فيتمّ إيمانه ، وقد يسلبه الإيمان بالكلّيّة بأن يبقيه على اتّباعه هواه وسوء فعله الذي اختاره وترقّى به إلى أن منع العناية الإلـهيّة . وكون الإيمان عارية ووديعة عند مثل هذا ظاهرٌ ، بخلاف الأوّل الثابت على الإيمان ، فإنّه كالمالك الذي لا يؤخذ ما في يده منه ، كما تؤخذ العارية والوديعة . وقد رأيت بعد كتابة هذا الكلام في كتاب التوحيد للصدوق رحمه الله ـ في باب التوفيق والخذلان من اللّه تعالى ـ ما يؤ?ده بحمد اللّه تعالى ، عن أبي عبداللّه عليه السلام في قوله عزّ وجلّ : « إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِى يَنصُرُكُم مِّنم بَعْدِهِ » [١] ، قال : «إذا فعل العبد ما أمره اللّه عزّ وجلّ به من الطاعة ، كان فِعْلُه وفقاً لأمر اللّه عزّ وجلّ ، وسمّي العبد به موفّقاً ؛ وإذا أراد العبد أن يدخل في شيء من معاصي اللّه ، فحال اللّه تبارك وتعالى بينه وبين تلك المعصية ، فتركها ، كان تركه لها بتوفيق اللّه تعالى ذكره ؛ ومتى خلّى بينه وبين [٢] المعصية فلم يحل بينه وبينها حتّى يرتكبها ، فقد خَذَلَه ولم ينصره ولم يوفّقه» . [٣]
[١] آل عمران (٣) : ١٦٠ .[٢] في المصدر : + «تلك» .[٣] التوحيد ، ص ٢٤٢ ، باب تفسير الهدى والضلالة والتوفيق والخذلان من اللّه تعالى ، ح ١ .