الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٤٤٦
قوله عليه السلام ، في حديث الحسين بن ميّاح : (إنّ إبليس قاسَ نفسَه بآدمَ ، فقال : خلقتني من نار وخلقتَه من طين ، فلو قاسَ [١] الجوهر الذي خلق اللّه منه آدمَ بالنار ، كان ذلك أكثرَ نوراً وضياءً من النار) . الظاهر أنّ المراد من هذا الحديث وكذا الحديث الآتي ـ واللّه أعلم ـ بيانُ فساد القياس الذي قاسه إبليس ، ومنه يظهر فساد القياس المتعارف ، وذلك أنّ إبليس ـ لعنه اللّه ـ قاس نفسه بآدم عليه السلام ، فدلّه قياسه الفاسد على أنّه خير من آدم من حيث خَلْق آدم من الطين وخَلْقه من النار ، وقد أخطأ في القياس ؛ فإنّه لو عرف حقيقة ما خلق منه آدم ـ وهو النور الذي هو أشرف من النار وأكثر نوراً وضياء منها ـ لعَرَفَ أنّ قياسه معكوس عليه ؛ ولو كان عالماً بخلق آدم من النور فقد خالف ما يعلمه إلى ما جعله دليلاً باطلاً ، فالذي يقيس بغير هذا القياس لا يعلم وجه ماقاسه على ماقاسه عليه . وإذا لم يعلم الوجه ، فمن أين يحصل له العلم بمساواة هذا لذاك أو الظنّ به ؟ فإنّه قد يكون في الواقع التفاوت بينهما كتفاوت النار والنور ، أو لا جامع بينهما أصلاً ، وإذا علم القائس بهذا القياس عدمَ صحّة المقيس بوجه ـ كما كان أبو حنيفة يقول : «قال عليّ وقلتُ» ـ كان أشدّ فساداً ، فإنّه ترك قول مثل أمير المؤمنين عليه السلام الذي لا حجّة فوقه إلى نحو رأيه وقياسه . فالمقصود من هذا الحديث ـ واللّه أعلم ـ بيانُ وجه فساد القياس وإن لم يكن من قبيل قياس أبي حنيفة وأمثاله ، وبه يبطل قياسهم ويظهر وجه فساده .
[١] في الكافي المطبوع : «ولو قاس» .