الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٤٥٨
من جملة بيانه تعالى لرسوله صلى الله عليه و آله ، وجَعَلَ على من تعدّى ذلك الحكم حكماً ، سواء كان حدّاً خاصّاً أم غيره ، كحكم وجوب الصوم مثلاً ، فلو تعدّاه المكلّف بتركه الذي لا يجوز ، كانَ حكمه وجوب القضاء والكفّارة ، أو القضاء فيما يقتضي كلاًّ منهما ؛ وكالقصاص لو تعدّى فيه ، كانَ حكمه استيفاء الزائد ؛ وكذا الجلد ونحوه ممّا يلزم بسببه الحدّ الخاصّ أو العامّ ، وكجواز أكل الميتة إذا بلغ الإنسان الحدّ الذي يجوز له أكل مقدار منها ، فإن تجاوزه فَعَلَ حراماً ، وكان عليه الإثم والتعزير . وأيّ بُعد في كون كلّ شيء في القرآن ، بل في سورة ، بل في آية على وجه اقتضته قدرة اللّه سبحانه وتعالى بحيث يستخرج كلّ شيء منه بتبيينه تعالى وتعليمه ؛ ونحن نرى بعض أهل العلوم كأهل الرمل يستخرجون أشياء كثيرة من خطوط ونُقَط أصلها الأشكال الأربعة ، ونحوهم أهل النجوم مع أنّه ليس عندهم من العلم إلاّ اسمه أو رسمه ، وكذا غيرهم من أهل علم الحرف والجفر وغيرهم ، فأهل العلم الحقيقي إذا اطّلعهم اللّه على ما يريده من استخراج كلّ شيء من القرآن لا يبعد ، إلاّ عند من ينسب قدرته تعالى إلى النقص ويَقيسها على قدرة البشر ، ومن المشهور كلام أميرالمؤمنين عليه السلام في تفسير بسم اللّه الرحمن الرحيم [١] . وإن كان القرآن أكثر من الموجود ـ كما يدلّ عليه بعض الأحاديث ـ فالأمر أظهر . فإن قلت : تقدّم ما يدلّ على أنّ المعنى : جعل على كلّ حكم دليلاً يدلّ عليه ، بمعنى أنّه لو طلب الدليل لاستدلّ به ، فكيف يستدلّ بما هو غير ظاهر لطالب الدليل . قلت : لا بُعد في كونه عليه السلام يأتي له من القرآن بما يدلّه على المطلوب بحيث يقبله الخصم ؛ على أنّ المقام يحتمل غير هذا ، كأن يكون الدليل له عليه السلام ومن لا يصدّق به لا ينفعه الدليل ، ومن صدّق به يقبل ما يقوله من أنّ اللّه جعله [٢] دليلاً مع فهمه لذلك أو دليلاً له عليه السلام ، فالمصدّق بالنبوّة والقرآن يصدّق بمثل ذلك ؛ واللّه تعالى أعلم .
[١] عن أمير المؤمنين عليه السلام : «كلّ العلوم تندرج في الكتب الأربعة ، وعلومها في القرآن ، وعلوم القرآن في الفاتحة ، وعلوم الفاتحة في بسم اللّه الرحمن الرحيم ، وعلومها في الباء في بسم اللّه » . راجع : نور البراهين ، للسيد نعمة اللّه الجزائري ، ج ٢ ، ص ٣ ؛ ينابيع المودّة ، للقندوزي ، ج ١ ، ص ٢١٣ ؛ وج ٣ ، ص ٢١٢ .[٢] في «د» : «جعل» .