الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ١٠١
عَبَثًا » [١] وغيرِه ممّا يدلّ على التكليف ونفي العبث ؛ وعلى أنّه تعالى إنّما يفعل الأشياء لحِكْمةٍ وغَرَضٍ يعود نفعه على العبد فيما يتعلّق به . والأدلّة على ذلك قد تظافرت عقلاً ونقلاً . فإذ أثبت ذلك وأخبر اللّه تعالى به ، لَزِمَ تحقّق وقوع التكليف ، ووَجَبَ على اللّه سبحانه ـ بمعنى عدم التخلّف ـ أن ينصب للمكلّف ما يدلّه [٢] على طريق التكليف وجهته ؛ لقبح تكليف الغافل ومالا يطاق ؛ ووَجَب أن يعطي المكلّف ما يتوقّف عليه التكليف ويحصل به من العقل والآلات ، بحيث يقدر على ما اُريد منه . وقد أنْزَل اللّه سبحانه الكُتُب وأرْسَل الرُّسُل ونحوهم لتعليم المكلّف ما كُلّف به واُريد منه ، فلو جوّز الجهل وعدم العلم من المكلّف ، كانَ ذلك بخلاف ما اقتضته الحكمة وما أخبر تعالى بوقوعه ، ونقضاً للغرض الذي ثبت . ولو ارتفع التكليف وجاز الجهل ، لاَسْتَلْزَمَ بطلان الكُتُب والرسل ؛ لأنّ وجودهم لأجل المكلّفين وتعليمهم ، فوجودهم حينئذٍ عَبَثٌ لا يجوز على الحكيم ، وفي بطلان ذلك فساد التدبير ؛ لأنّ اللّه سبحانه اقتضى تدبيرُه وحكمته إيجاد المكلّفين وتكليفهم ، فارتفاع الكتب لبطلانها المترتّب على جواز رفع التكليف الموجب لعدم بقاء أهل التكليف بعد الإخبار بوقوعه وإرادة الغرض منه فسادٌ في تدبير ما يراد من الغرض ، أو جهل من صاحب الغرض ؛ تعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً . وفساد التدبير أو الجهل يدلّ على فساد المدبّر ، وهذا ينافي إثبات الصانع الحكيم . وإذا كان الصانع بهذه الصفة ، رجع الأمر إلى قول الدهريّة من التعطيل ، وعدم وجود صانع مدبّر للعالم ؛ فثبت المطلوب ، وهو عدم جواز الجهل ورفع التكليف . ولو ارتفعت الكُتُب والرُّسُل مع بقاء التكليف ، كانَ في ذلك أيضاً فسادُ التدبير
[١] المؤمنون (٢٣) : ١١٥ .[٢] في «ج» : «ما يدلّ» .