الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٢٤٦
٥.الحسين بن محمّد ، عن عليّ بن محمّد بن سَعْد ، رَف «لو يَعلمُ النّاسُ ما في طلب العلم لَطَلَبوه ولو بسَفْك المُهَجِ وخَوضِ
قوله عليه السلام في حديث أبي حمزة : (لو يَعلَمُ الناسُ ما في طلبِ العلمِ لَطَلَبوه ولو بسَفْكِ المُهَجِ وخَوْضِ اللُّجَجِ) . «المهج» جمع مهجة ، وهي الدم ، ويقال لدم القلب . و«لُجّة الماء» ـ بالضمّ ـ : معظمه ، وهما كنايتان عن بذل أنفَس ما يكون وأعزّه على صاحبه ، وركوب أشقّ ما يكون وأصعبه . والمعنى ـ واللّه أعلم ـ : لو علم الناس ما في طلب العلم من الفائدة والمنفعة وحصول السعادة الأبديّة ، لبذلوا في تحصيله أعزّ شيء عليهم ، ولو كان المبذول مهجهم ، أو تسبّبوا إلى تحصيله بذلك ، وسلكوا إليه أشقّ المسالك . ولا يخطر ببال عارف بمواقع الكلام أنّ مثل هذا يظهر منه أنّ بذل النفس وإلقاءها إلى التهلكة في مثله جائز ، فإنّه مجرّد بيان ما ذكر مع أنّ طلب العلم الذي تحصل [١] منه الفائدة يشترط كونه خاليا ممّا لا يجوز . وبالجملة ، فهذا ممّا لا يخطر ببال من يعتدّ به . ويحتمل أن يكون المراد : ولو بسفك المهج لو كان يمكن بذله ، وخوض اللجج لو كان يمكن خوضها ، كما يقول الناس : اُعطيك حقّك ولو من عينى ، ولا اُعطيك ولو صعدت إلى السماء . والمراد من مثله الفعل على تقدير إمكان هذا الأمرُ ، والحثّ على فعله أو تركه . ويحتمل وجهاً آخر ، وهو أنّ من تصوّر أمراً عظيماً وطلب تحصيله ، لا يلتفت في تحصيله إلى ما يحصل له من المشقّة حتّى لو كان في ذلك هلاكه ، فبشدّة تهالكه عليه لا يلتفت إلى ما ذكر. فلو علم الناس ما يترتّب على طلب العلم، لبذلوا مهجهم، ذاهلين عن كون بذلها ينبغي أولا ينبغي،ولخاضوا اللجج ذاهلين عن إمكان خوضها وعدمه . وحينئذٍ فالمعنى أنّ اللّه سبحانه أخفى عنهم كنه فائدة طلب العلم وإن ظهرت بوجه مّا ؛ لئلاّ يسلكوا ما لايليق سلوكه ؛ واللّه تعالى أعلم بمقاصد أوليائه .
[١] في «ألف ، ب» : «يحصل» .