الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٣٧٤
٨.عليُّ بن محمّد بن عبداللّه ، عن أحمد بن محمّد ، ع «القلبُ يَتَّكِلُ على الكتابة».
قوله عليه السلام في حديث الأحمسيّ : (القلبُ يَتَّكِلُ على الكتابة) . يحتمل هذا الكلام وجهين : أحدهما ـ وهو الظاهر والموافق لعنوان الباب ولما بعده من الأحاديث ـ : أن يكون المراد به الحثَّ على الكتابة وعدم الاعتماد على الحفظ عن ظهر القلب ولو بالكتابة أوّلاً ثمّ الحفظ إن اُريد ، فإنّ الحفظ قلّما يتّفق على الوجه المعتبر مع طول الحديث أو تعدّده وكثرته ، أو ضعف الحافظة وخصوصاً إذا لم يحفظ بعد الكتابة ، ففي الكتابة اعتماد للقلب واتّكال عليها بحيث يرجع إليها مع عدم الحفظ وإلى ما يشتبه عليه مع الحفظ كما يعتمد من يشقّ عليه أمرا و لا يقدر عليه على من يحمله عنه أو يساعده عليه ، فالكلام خبر يتضمّن الأمر بالكتابة . وهذه العبارة من البلاغة بمكان ، فإنّها متضمّنة للأمر مع إفادة ما ذكر سابقاً ، ومتضمّنة للأمر بتعلّم الكتابة وأنّها لا يستغنى عنها ، وإنّه بها تضبط الأحاديث وغيرها ، وتحفظ عن الزيادة والنقصان ونحوهما ومفيدة ؛ لأنّ القلب مناط الحفظ بنفسه أو مع من يعتمد عليه . الثاني : أن يكون المراد به الأمر بالحفظ عن ظهر القلب ، كما قيل : إنّه كان متعارفاً في الصدر السالف ، وإنّ الكتابة إذا حصلت فقد اتّكل القلب عليها ولم يتوجّه إلى الحفظ ، كما هو وجدانيّ ، ومن هذا شأنه يذهب علمه بذهاب كتبه ، بخلاف من كان حافظاً . وقد قيل لبعض الحكماء : ما الذي ينبغي للإنسان أن يقتنيه؟ فقال : ما إذا كسرت به سفينته [١] وغرق ما فيها ونجا بنفسه ، نجا معه . ولا ينافيه الأمر بالكتابة في الحديث الذي بعده وغيره ، فإنّه أمر بها لأجل الحفظ ، وفرق [٢] بين الكتابة مطلقاً وبينها لأجله . بقي إحتمال آخر ، وهو أن يكون مراده عليه السلام مجرّد بيان أنّ القلب له اعتماد على الكتابة ، فمن أراد أن يفعل ما يعتمد عليه القلب فليفعل ، ومن أراد أن يكون معتمده قلبه فليفعل . وهذان الاحتمالان بالنظر إلى مجرّد الحديث ودلالته ـ مع قطع النظر عن نقله في هذا الباب ـ مع أنّه يمكن إدخاله فيه حينئذٍ بوجه . والوجه هو الأوّل ، والثاني لا يخلو من بُعد ، والثالث أبعد ؛ واللّه أعلم .
[١] في «ألف ، ب ، د» : «سفينة» .[٢] في «د» : «ولا فرق» .