الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٥٥٣
حاصل المعنى - واللّه أعلم ـ أنّكم لاتعرفوه بأنّه شخص ولانور ولاجوهر إلى غير ذلك من الأشياء المخلوقة ، أي لاتصفوه بأنّه جوهر أو جسم إلى غير ذلك ، ولاتعتقدوا أنّه كذلك ؛ فإنّ من فعل ذلك ، عرف اللّه بخلقه ؛ لأنّ جميع هذه الأشياء حادثةٌ ممكنةٌ ، لابدّ لها من مؤثّر وخالق ، وخالقُها هو اللّه تعالى ؛ ومن نفى عنه هذه الأشياء ، عرفه بشيء غير خلقه ، وغير خلقه هو لاسواه ؛ لأنّه خالق كلّ شيء غيره ، فيكون عرف اللّه باللّه .
في حديث عليّ بن عُقْبَة [١]
(قيل : وكيف عَرَّفَك نفسَه) . يحتمل أن يكون السائل سأله عن أنّ المعرفة التي حصلت له كيف هي؟ فأجابه عليه السلام بأنّه (لاتُشبِهُه [٢] صورةٌ ، ولايُحَسُّ بالحواسّ ...) ؛ أو أنّه سأله عن التعريف كيف هو؟ أهو كتعريف بعضنا بعضا الأشياءَ بأن يُرِيَه ذلك الشيءَ ، أو يأمره بمسّه ، أو يسمعه الصوت ، أو يقيسه له؟ فأجابه عليه السلام بنفي جميع هذه الأشياء عنه ، وأنّ تعليمه ليس كتعليم بعضنا بعضا . قوله عليه السلام : (قَريبٌ في بُعْدِه ، بَعيدٌ في قُربِه) . لا [٣] وصفه بالقرب والبعد المتضادّين ، علم أنّ قربه وبعده ليس كقربنا وبعدنا ، فمعنى قوله : «قريب في بُعْده» أنّه مع بُعْده تعالى وتنزّهه عن مشابهة الأشياء ، عِلْمُه شاملٌ لها لايعزب عنه شيء . ومعنى قوله : «بعيدٌ في قربه» أنّه مع علمه بجميع الأشياء وإحاطته بها بعيدٌ عن وصول الأشياء إلى كنهه وعلمها به . وهكذا قوله عليه السلام (فوقَ كلِّ شيءٍ ، ولايقالُ : شيءٌ فوقَه) يدلّ على أنّ صفته ليست
[١] الكافي ، ج١ ، ص٨٦ ، ح٢ .[٢] هكذا في المحاسن ، ص٢٣٩ ، باب جوامع من التوحيد من كتاب مصابيح الظلم ، ح٢١٧ والتوحيد ، ص٢٨٥ ، باب أنّه عزّوجلّ لايُعرف إلاّ به ، ح٢ . وفي الكافي ، المطبوع : «لايشبهه» .[٣] كذا ، والصحيح : «لمّا» .