الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ١٧٥
.وكفُّ الأذى من كمال العقل ، وفيه راحةُ البدن عاجلاً وآجلاً . يا هشام ، إنَّ العاقلَ لا يُحدِّثُ من يَخافُ تكذيبَه ، ولا يسألُ من يَخافُ منعَه ، ولا يَعِدُ ما لا يقدرُ عليه ، ولا يرجو ما يُعنَّفُ برجائه ، ولا يُقْدِمُ على ما يخافُ فوتَه بالعجز عنه» .
قوله عليه السلام فيه : (وكَفُّ الأذى من كمالِ العقلِ ، وفيه راحةُ البدنِ عاجلاً وآجلاً) . لا شبهة في أنّ العاقل يعلم أنّ الأذى المنهيَّ عنه وَبالٌ وتَعَبٌ على صاحبه في الدنيا كخوفه ممّن يؤذيه وغيره من نحو السلطان ، فيتعب بدنه بحركة وضرب ونحوهما ، وقد يؤول إلى مرض ونحوه يحصلان من خوف وفكر ووساوس [١] ؛ وفي الآخرة بالعذاب بسبب ذلك ؛ ففي ترك الأذى راحة الدارين ، فمن كمال العقل ـ بمعنى متابعته في ترك ذلك ـ كفّ الأذى . ولا ينافي ذكر البدن مشاركة الروح في الراحة والتعب للبدن ، فإنّه يعبّر في مثله بالبدن ونحوه عمّا له زيادة تميز وظهور فيما تعلّق به شيء ؛ واللّه أعلم . قوله عليه السلام فيه وهو آخره : (ياهشام ، إنّ العاقلَ لا يُحَدِّثُ مَن يَخافُ تكذيبَه [٢] ...) . أي من يتابع عقله ويعمل به لا يفعل هذه الأشياء ، فينبغي للعاقل أن لا يفعلها . ويحتمل أن يكون المعنى : أنّ من ليس له غريزة أصلاً ـ أو غريزة ناقصة ـ يفعل هذه الأشياء ، فينبغي لصاحب الغريزة أن لا يفعل مثل فعله ويتشبّه به . و«التعنيف» التعيير واللؤم ، والمعنى ظاهرٌ ، واللّه أعلم .
[١] في «ج» : «وسواس» .[٢] في حاشية «د» : «حديث هشام هذا ، نقله الحسن بن شعبة في كتاب تحف العقول ، وفيه زيادة كثيرة عمّا هنا . [راجع : تحف العقول ، ص ٣٩٠] (منه) » .