الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٣٣١
وعمّا ينبغي الرضا عنه وبه ، فإنّ صاحبه مطمئنّ القلب ساكن الجوارح ، كما أنّ المصاحب للسيف غير فزع ممّا يخاف منه لو لم يكن معه سيف . ومناسبة القوس للمداراة من حيث إنّ الرامي يحتاج إلى تأمّل وتفحّص في تصحيح قوسه وسهمه وغرضه وهدفه ، ويحتال في أمر الرمي والإصابة ، فكذلك العالم إذا كان مدارياً للناس كلٍّ بحسب ما يقتضيه حاله ، كان مصيباً لغرضه ، رامياً عن قوس الإصابة ، سالماً من خطر سوء الرمي . ومناسبة المحاورة بالجيش ظاهرة ، فكما أنّه بالجيش وتعبيته وترتيبه على الوجه المقرّر يحصل الظفر ونيل المراد ، فكذلك بمحاورة العلماء ومباحثتهم على وجه تحقيق الحقّ واستعمال الآداب المقرّرة وإخلاص النيّة يحصل الظفر بتحصيل الحقّ من العلم وثمرته ، فالمحاورة له على الوجه المذكور كالجيش المقاتل بحسن التعبية والقتال . وكما أنّ اختلاف القلوب والآراء من الجيش وعدم الاتّفاق على قصد واحد فيه صلاحهم ، تكون عاقبته خذلانهم وهلاكهم ، فكذلك العالم المحاور لا لطلب الحقّ ، بل للمجادلة والمماراة وإظهار الغلبة والفضيلة ـ كما هو كثير شائع ـ يكون في ذلك هلاكه في الآخرة والعقبى كعاقبة الجيش المذكور . وإذا تأدّب العالم بآداب العلماء التي ينبغي التأدّب بها ، كانَ غنيّاً ينفق من أدبه ما ينفقه ذو المال من ماله ، وغير المتأدّب فقير لا شيء عنده ينفق منه ، فإنّ ما عنده من العلم لو كان يذهب بغير الأدب ضياعاً . ومن المشهور شعراً ونثراً فقر المروّة والأدب ونحوهما . وكون اجتناب الذنوب ـ وهو التقوى ـ ذخيرة يعدّها الإنسان ليوم فاقته أمرٌ ظاهرٌ ، فإنّ من حاز هذه الذخيرة ، كان غير محتاج عند احتياج الناس إلى ما يدفع عنهم ألم خوف المعاد ، كما أنّ صاحب الذخيره في الدنيا مطمئنّ القلب ممّا يدخل على غير المدّخر من خوف الجوع والاحتياج ونحوهما . وكما أنّ الزاد يتوصّل به المسافر إلى ما يريد في قطعه المسافة ، كذلك فعل الإحسان والمعروف للعالم ، فإنّه زاده في قطع مسافة مجاراة الناس وقطع مسافات الآخرة . وكما أنّ صاحب المنزل الذي يأوي إليه ويستقرّ فيه مطمئنّ القلب ، غير محتاج إلى أن يأوي إلى منزل غيره ، فكذلك العالم الموادع للناس ـ أي المصالح لهم ـ مستقرّ القلب ، مطمئنّ الخاطر من خطر العداوة والقيل والقال ، والتفكّر في احتيال مقاومة العدوّ ودفع كيده بما يصير به مضطرب الجنان ، مشوّش الفكر كمن لا مأوى له . ومن كان على هُدًى ، دلّه الهدى على الطريق المستقيم ، فسلم عن مشاقّ حزن الطريق ووَعْره ، التي يقاسيها السالك بغير دليل كالسالك في غيره . (ورفيقهُ صُحبَةُ الأخيارِ) أو محبّتهم ؛ على النسختين ؛ لأنّ من أحبّ الأخيار أو صحبهم لا يستوحش ، كما لا يستوحش من صحب رفيقاً في سفره . وهذا مع من صحبه أو أحبّه رفقاء في سفر الآخرة ؛ رزقنا اللّه تعالى والمؤمنين هذه السعادة ، وخَتَمَ لنا ولهم بالحسنى وزيادة ، إنّه جواد كريم ؛ واللّه تعالى أعلم بمقاصد أوليائه عليهم الصلاة والسلام .