الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٥٧٠
في حديث محمّد بن يزيد [١]
قوله عليه السلام : (فاطِرِ الأشياءَ إنْشاءً) . أي من غير مادّة قديمة اُنشئت الأشياء منها ، بل هي وموادّها خلقان من خلقه . قوله عليه السلام : (ومُبتَدِعِها ابتداءً [٢] ) . أي من غير علّة وداعٍ أوجب ابتداعها ، فقوله : (بقُدْرَتِه) متعلّق ب «فاطر» ، أي من غير إعانة ؛ لأنّ المادّة أقوى ، وقد ثبت أنّها من خلقه ، فخلق الأشياء بقدرته لا غير . وقوله عليه السلام : (وحِكْمَتِه) متعلّق ب «مبتدع» ، أي إنّ مقتضي الابتداع هي الحكمة . وقوله عليه السلام : (لا مِنْ شَيْءٍ ... ، ولا لِعِلّةٍ ...) تأكيدٌ وتوضيحٌ لهما . وقوله عليه السلام : (لإظْهارِ حِكْمَتِهِ) . أي ليست غاية إيجاد هذه الأشياء راجعةً إليه ، بل لمّا كانت الحكمة تقتضي أن يوصل القادر على النفع النفعَ إلى مستحقّه ، وكان المستحقّ معدوما ، خلق الأشياء لظهور الحكمة وتحقّقها ، فلا يتوهّم أنّ إظهار الحكمة غاية راجعة إليه . قوله عليه السلام : (وحَقيقةِ رُبوبيَّتِهِ) . وذلك أنّ الربوبيّة على كلّ ما يمكن أن يكون مربوبا صفة قديمة هي عين ذاته ، لكن لمّا كانت الربوبيّة تقتضي مربوبا ، وكان اللّه ولا شيء ، كانت حقيقتها غير ظاهرة ، فأراد اللّه إظهارها ، فخلق الخلق لذلك ، وهذا الإظهار ترجع فائدته إلى العبد أيضا ؛ لأنّه يستحقّ الثواب الجزيل بمعرفته والإقرار به . ولمّا كان الإظهار لابدّ له من متعلّق ، كانَ ربّما يتوهّم أنّ بإظهار الحكمة وحقيقة الربوبيّة تُحْصِي حِكَمه وصفاتِه بعض العقول ، أو تبلغ كنهه بعض الأوهام . دفع هذا التوهّم بقوله : (لا تَضْبِطُهُ العقولُ ، ولا تَبلُغُه الأوهامُ ...) .
[١] الكافي ، ج١ ، ص١٠٥ ، ح٣ . وفي الكافي المطبوع : «محمّد بن زيد» .[٢] كذا في بعض نسخ الكافي ، وفي الكافي المطبوع : «ابتداعا» .