الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٢٠٩
.لأنَّ مفارَقةَ الدين مفارَقَةُ الأمن ، فلا يَتهنّاُ بحياة مع مَخافةٍ ، وفَقْدُ العقل فَقْدُ الحياة ، ولا يُقاسُ إلاّ بالأموات» .
وقوله عليه السلام : «لأنّ مفارقة الدين ...» يحتمل وجهين : أحدهما : أنّ من فقد الدين لا يحصل معه أمن ، فإنّ من كان فاقداً لدين كان عدوّاً لذي الدين ، فالخوف منه دائماً متوقّع مع الصحبة ، ومع الخوف لا يتهنّأ الخائف بحياة . وكلامهم عليهم السلام في مثل هذا لتعليم الناس ، فلا يرد علمهم [١] بمن يحصل منه ذلك . و«فقد العقل» أي عقل الأشياء ، أو العقل الغريزي . والأوّل أنسب بالسياق ، والثاني بفقد الحياة والقياس بالأموات . ويمكن التوجيه بما يوافق الأوّل أو يوافقه الأوّل من المتحمّل مبنيّاً للمفعول فقد لحياة المتحمّل مبنيّاً للفاعل ، إمّا لأنّه مع عدم العقل يكون من تحمّله كفاقد الحياة ؛ إذ الضرر منه دائماً متوقّع . وقد يفرق بينه وبين فاقد الدين بأنّ فاقد الدين قد يبعثه العقل على ما لا يصل إلى مرتبة فقد الحياة ، بل إلى مرتبة الخوف ؛ ولهذا كان التعبير في الأوّل ب «لا يتهنّأ بحياة مع مخافة» ، وفي الثاني . «بفقد الحياة» . وإمّا لأنّ مع عدم المناسبة بين شخصين كعاقل وجاهل مع دوام الصحبة يكون العاقل كفاقد الحياة . وقد يفرق في هذا المثال بين العاقل والجاهل ، فإنّ الجاهل قد لا يسمّى حينئذٍ فاقد الحياة ؛ فلهذا لم أقل يكون أحدهما كفاقد الحياة ؛ ومن كانت هذه حاله لايقاس إلاّ بالأموات . الوجه الثاني : أن يكون المعنى : أنّ مفارقة الدين مفارقة لأمن من فارق الدين من العذاب باعتبار وجود العقل ، فلا يتهنّأ بحياة مع مخافة ، وفقد العقل فقد لحياة الفاقد ؛ لأنّ غير العاقل لا ينتفع بحياته كما ينتفع العاقل في تحصيل ثمرة الحياة ، فهو كغير الحيّ أو غير حيّ بالحياة المعتبرة ؛ ومن كان كذلك فحكمه حكم الأموات من حيث إنّ الميّت كما لا يحصل منه بعد الموت ما يترتّب عليه ثمرة ، فكذا غير العاقل ، كما في قوله تعالى : «أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ» [٢] ، وقوله تعالى : «صُمُّم بُكْمٌ عُمْىٌ» [٣] ونحو ذلك . ومن هذين الوجهين يظهر احتمال وجهٍ آخَرَ مركّبٍ منهما ؛ أو وجهين ، أحدهما أبعد من الآخر ، وكان السياق يقتضي ترجيح الوجه المتقدّم من الوجهين السابقين ؛ واللّه تعالى أعلم . وعلى كلّ تقدير ينبغي قراءة «يتهنّأ» مبنيّاً للمفعول ، وإن توهّم مناسبة بناء الفاعل لبعض الوجوه ؛ واللّه تعالى أعلم بمقاصد أوليائه .
[١] في «ب ، ج » : «عليهم» .[٢] يونس (١٠) : ٤٢ .[٣] البقرة (٢) : ١٨ .