الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٣٧٨
.فإنّه يأتي على الناس زمان هرج لا يأنَسون فيه إلاّ بكُتُبِهم» .
وقوله عليه السلام : «فإنّه يأتي على الناس ...» يمكن أن يكون تفريعاً على جميع ما تقدّمه وتعليلاً له ، فإنّ الذي يكتب يأنس بكتبه ، ومن بثّ علمه إليه لا يكون حفظه للعلم على وجهه وتحصيله التامّ إلاّ بالكتابة ونحوها . والأمر بالكتابة ونحوها من جملة العلم المبثوث ، وكذلك من وصلت إليهم الكتب ، وإن كان التفريع بما عدا البثّ أظهرَ وخالياً من التكلّف . و«زمان هرج»بالإضافة، ويحتمل أن يكون من قبيل «رجل عدل»، لكنّه بعيد. وفي الصحاح : الهرج : الفتنة والاختلاط [١] . وكأنّ المراد به هنا زمان لا يؤخذ فيه العلم من أهله ، ويكثر فيه القول بغير علم ، ويختلط فيه الحقّ بالباطل ، وتقع الفتنة بين من يدّعون العلم لعدم تفحّصهم على وجه الحقّ ، وميل كلّ إلى ما تكلّم به واقتضاه رأيه كيف كان ، وعدم الرجوع إلى الحقّ عمّا قاله لئّلا يتّهم بعدم المعرفة . ويجمع كلّ هذا عدم الإخلاص ، وفي كلّ هذا اختلاطٌ وفتنةٌ يوجبان التوحّش من أهلهما ، نسأل اللّه العفو والعافية ، فمن كانت عنده كتب يعتمد عليها كان اُنسه بكتبه ، أي بما فيها ، فلا يستوحش لفتنة ولا اختلاط . ويحتمل أن يكون المراد بزمان الهرج زمانا تعدم أو تقلّ فيه المصادقة والاجتماع على ما يرضى اللّه سبحانه ونحو ذلك ، فتنفر النفس من مخالطة الناس ، وتميل إلى تركهم والانفراد عنهم ، فيحصل من الوحدة وحشة بحسب الطباع البشريّة ، فإذا كانت الكتب عندهم أنسوا بها من تلك الوحشة . ومآل الوجهين متقارب ، وإرادتهما وما يشملهما ممكنة . ولا ينافي ذلك أنّ من أنس باللّه لم يستوحش من غيره ، فإنّ مصاحبة الكتب والتأمّل فيها وتدبّرها والعمل بما فيها من أعظم الاُنس باللّه . والمراد بالناس من كانوا مستحقّين التسميةَ بالناس ، وهم المستأنسون بذلك ، فإنّ أهل الفتنة ليسوا من الناس ؛ واللّه تعالى أعلم .
[١] الصحاح ، ج ١ ، ص ٣٥٠ (هرج) .