الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ١٢٨
ونحوهما ، وليس المراد منه أنّه ذو سمع وبصر ، وفلانٌ لا يسمع ولا يبصر ، ولا يراد منه نفي الحاسّتين عنه . ومنه قوله تعالى : « صُمُّم بُكْمٌ عُمْىٌ » [١] ، وقوله تعالى : « إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَآءَ » [٢] ، وهو كثير . وقد يراد بالعقل المخلوق الشريف ، وهو الذي خَلَقه اللّه عزّ وجلّ من نوره ، وهو أوّل خلق من الروحانيّين ، كما يأتي في حديث سماعة . [٣] وهو المراد من أوّل أحاديث هذا الباب ، ويقابل هذا العقل الجهل بالمعنى المذكور هناك . وهذان لا يتعلّق بصاحبهما مدحٌ ولا ذمٌّ إلاّ من حيث المتابعة وعدمها . وقد قسّم اللّه هذا العقل على عباده المكلّفين قسمةً متفاوتة بحسب ما اقتضته حكمته على قَدْر القوابل والاستعدادات التي خلقهم عليها ، وجعَل تكليف كلّ واحد على قَدْر ما أعطاه من العقل ، ولم يكلّفه فوق ذلك . وذلك كقسمة الأرزاق والآجال ونحوهما ، وجعل الثواب والعقاب منوطين بما يعمله العبد من مقتضى العقل ودلالته ويتركه ، ولا ظلم في ذلك ولا جور ، بل هو على وجه المصلحة ، فقد يعمل صاحب الجزءين من العقل مثلاً بمقتضاهما ، وقد لا يعمل صاحب العشرة أجزاء بمقتضاها،فإعطاء الأكثر لايستلزم الجور في القِسمة، كما في قسمة الأرزاق والآجال ، فإنّ صاحب الرزق القليل قد يصرفه في طاعة اللّه دون الكثير ، وقد يكون صاحب العمر القصير كذلك . ومراتب ذلك كثيرة ، وكلّها منوطة بإعطاء قَدْرٍ من العقل والعمل بمقتضاه ، وإعطاء القدرة على العمل به وتركه . وفي التفاوت في ذلك ونحوه من المصالح ما لا يعلم كنه حقيقته إلاّ اللّه سبحانه ، وقد يظهر للعقول بعضها ، وبعد ثبوت حكمته وفعله الأصلح بعباده لا يختلج في فكر عاقل نسبة شيء ممّا لا يليق إليه تعالى . الثانية : مقابلة الجهل بالعقل وعدم مقابلته بالعلم ، لعلّ السرّ فيه ـ واللّه أعلم ـ مع ما تقدّم ، التنبيه على أنّ العلم لا يكون علماً يستحقّ أن يسمّى به إلاّ إذا كان صادراً عن العقل ، وما ليس كذلك فهو جهل ، بل هو أعظم أنواع الجهل ؛ لما يترتّب عليه ممّا لا يترتّب على غيره من المفاسد ، وقد احتجّ اللّه تعالى بالعقل على العباد ، والعقل يدلّهم على العلم الذي يجب أخذه عن أهله ؛ فكلّ من تبع عقله وعمل بما دلّه عليه كانَ عالماً ، وما ليس فليس . فلو قوبل العِلم بالجهل ، لأوهم دخول كلّ ما يسمّى علماً ولو ظاهراً . ولم يقابل العقل بعدم العقل ؛ لأن لا يتوهّم دخول من ليس له عقل من المجانين ، فإنّ مثلهم لا دَخْل له بهذا المقام ؛ لعدم تعلّق شيء بهم من الأحكام والوعد والوعيد ، والمدح على المتابعة ، والذمّ على عدَمها . وحاصل ما في هذا الباب بيان ماهيّة العقل والجهل ، وما يترتّب على إطاعتهما ومخالفتهما ؛ واللّه أعلم .
[١] البقرة (٢) : ١٨ .[٢] النمل (٢٧) : ٨٠ .[٣] الكافي ، ج ١ ، ص ٢١ ، كتاب العقل و الجهل ، ح ١٤ .