الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ١٩
قد ارتوى بعض الشيء من العلم والمعرفة، وتاقت روحه السامية إلى مهبط الوحي، ومهد الرسالة الخالدة مكّة المكرّمة، فانطلق شوقا لزيارة البيت العتيق، حيث مقام خليل اللّه إبراهيم وابنه إسماعيل عليهماالسلام، وحيث مشاهد الوحي الكثيرة، وليشهد بعينيه أوّل بيت وضع للناس، ويرى المدينة التي ولد فيها أعظم مخلوق على وجه الأرض خاتم النبيين صلى الله عليه و آله ، وولد فيها سيّد الوصيين أمير المؤمنين عليه السلام ، ولتداعى إلى ذهن ذلك الشابّ جهاد الطليعة الاُولى من المسلمين أمثال أمير المؤمنين عليه السلام وخديجة الكبرى وتضحيات ياسر وسميّة، وصلابة بلال وصهيب وأضرابهم. ثمّ ينتقل إلى المدينة المنوّرة حيث قبر الرسول الأكرم، وحيث المشاهد الشريفة، والمواقف التاريخيّة الكريمة، وعندها يتأمّل الذكريّات التي سجّلها الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله ومن معه بأحرف من دم، حيث واقعة بدر واُحد والخندق وغيرها. فسار إلى تلك الديار محفوفا بلطف اللّه وعنايته، كما وصف لنا سفرته قائلاً: «...وكنت أرى من إلهي جلّ شأنه عناية ولطفا بي مع صغر سنّي ووحدتي، واتّفق لي في ذلك السفر اُمور لا تخلو من غرابة». [١] وذكر قدس سره عدّة اُمور كان منها: أنّي لمّا دخلت مكّة المشرّفة ، سبقت الحاجّ أنا وإثنان راكبين بغالاً من عسفان، فلمّا وصلنا إلى مكّة المشرّفة ، ذهبتُ إلى الحرم لطواف العمرة وأنا وحدي، فدرت أوّلاً حول البيت الحرام حتّى عرفت الأماكن المعهودة التي ينبغي معرفتها وقت الطواف، ثمّ أردتُ أن أشرع في الطواف وإذا رجل ممّن هناك يطوّفون الناس جاء لي وقال: أنا اُطوّفك، فقلت له: أنا رجل من أهل الشام، وسبقت الحاجّ الشامي، وما معي شيء من الدراهم اُعطيك إيّاه ، ولا عندي شيء سوى ما أنا محرم به، فإن كنت ترضى أن تعلّمني بغير شيء ، وإلاّ فاتركني أطوف لنفسي، فجعل ينازعني ويتكلّم بكلام خشن، فبينما نحن في ذلك إذ أقبل رجل فجذب ذلك، وقال له: اتركه يطوف لنفسه، أنت تريد تعلّم
[١] الدرّ المنثور، ج ٢، ص ٢٣٩. وقد تقدّمت الإشارة عند الكلام في تاريخ ولادته أنّ المشهور في ولادته ١٠١٣ أو ١٠١٤ هجريّة، وعليه يكون له من العمر حين سفره إلى مكّة بين ١٧ سنة و ٢٠ سنة.[٢] الدرّ المنثور، ج ٢، ص ٢٣٩.[٣] الدرّ المنثور، ج ٢، ص ٢٤٠ ـ ٢٤١.