الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٣٤٨
.قال : «الوقوفُ عند الشبهة خيرٌ من الاقتحام في الهَلَكَةِ ،{...}
قوله عليه السلام في حديث أبي سعيد الزُهري : (الوقوفُ عند الشُّبهَةِ خيرٌ من الاقتحامِ في الهَلَكَةِ ، وتَركُكَ حديثاً لم تَرْوِهِ خيرٌ من رِوايَتِك حديثاً لم تُحصِهِ) . معناه ـ واللّه أعلم ـ أنّ التوقّف عند ما يشتبه على الإنسان ـ إمّا بعدم حصول العلم أو الظنّ الذي يجوز العمل به ، أو ما يشمل [١] كلّ مشتبه يترتّب الضرر فيه على الوقوع فيما لا يجوز الوقوع فيه أو يحتمله ـ خيرٌ من الاقتحام في الهلكة . وقحم في الأمر : رمى بنفسه [٢] فيه فجأة بلا رويّة ، و«اقتحم» نحوه [٣] . والتفضيل إمّا على أصله المتعارف ، بمعنى أنّ الذي يرمي نفسه فيما من شأنه أن يهلك ، قد يحصل له نادرا الخلاص من الهلاك ، كمن يرمي نفسه من شاهق من شأنه أن يهلك من يقع منه لغرض يمكن تحصيله إن سلم من الهلاك ، فعدم الوقوع خير من الإقدام على الوقوع وفعله ، فإنّ فيه السلامة يقيناً ، والوقوع محتمل للسلامة احتمالاً مرجوحاً ؛ فالخير ثابت في الجملة في الاقتحام باعتبار ما يترتّب عليه من النفع إذا سلم . وقد يعفو اللّه سبحانه عمّن يقتحم الهلكة فيما لا يجوز ، فالوقوف خيرٌ ممّا يحتمل تحصيله مع السلامة واحتمال العفو ؛ وكما إذا أراد الإنسان مثلاً أن يتناول مالاً مشتبهاً بالحرام ، فإمّا أن يكون في الواقع حراماً أو لا ، فالخير فيه في الجملة باعتبار الاحتمال المذكور ، وقد يوافق راوي الحديث ونحوه الصواب ، فكلّ ممّا ذكر لا يخرج عن الاقتحام فيما هو محلّ لأن يهلك ؛ فيكون التوقّف خيراً منه . وإمّا أن يكون التفضيل من قبيل ماورد من قوله عليه السلام : «لصوم يوم من شعبان أحبّ إليّ من أن أُفطر يوماً من شهر رمضان» [٤] . فالتفضيل باعتبار أصل الحبِّ من جهة غيره عليه السلام . وقول أميرالمؤمنين عليه السلام : «فأبْدِلْني بهم خيراً منهم ، وأبْدِلهم بي شرّاً منّي» [٥] . فالتفضيل باعتبار اعتقادهم الخير في أنفسهم والشرّقية عليه السلام . وهنا المقتحم في الهلكة يتصوّر خيراً يترتّب على اقتحامه ، كأن يرى الناس أنّه راوٍ للحديث مثلاً ، أو ليدفع عن نفسه نقص الجهل إذا سئل ؛ فيتخيّل هذا الشرّ خيراً ؛ فخيريّة التوقّف بهذا الاعتبار . وقريب منه المال المشتبه ونحوه ، فإنّه يعدّ الانتفاع به خيراً . والتفضيل بالمعنى الأخير أنسب من حيث إنّ من هذا شأنه على المعنى الأوّل من الثلاثة الذين في النار فيما يتضمّن الفتوى ونحوها ، وأمّا بالنسبة إلى نحو المال المشتبه فإنّه ينطبق على المعنى الأوّل إذا لم يكن النهي عنه للتحريم ؛ فتأمّله . والمعنى الثاني يوافق الجميع ، وإن خالف من حيث أكثريّة المعنى الأوّل في التفضيل ، لكنّه واقع في كلامهم عليهم السلام وغيره ، وإن نوقش في الأمثلة أمكن فرض غيرها ؛ واللّه تعالى أعلم بمقاصد أوليائه .
[١] في «ألف» : «يشتمل» .[٢] في «د» : «نفسه» .[٣] القاموس المحيط ، ج ٤ ، ص ١٦١ ؛ تاج العروس ، ج ٩ ، ص ١٧ (قحم) .[٤] الكافي ، ج ٤ ، ص ٨١ ، باب اليوم الذي يشكّ فيه ... ، ح ١ ؛ الفقيه ، ج ٢ ، ص ١٢٦ ، ح ١٩٢٢ ؛ وص ١٢٨ ، ح ١٩٢٩ ؛ تهذيب الأحكام ، ج ٤ ، ص ١٨١ ، ح ٥٠٥ ؛ الاستبصار ، ج ٢ ، ص ٧٨ ، ح ٢٣٧ ؛ وسائل الشيعة ، ج ١٠ ، ص ٢٠ ، ح ١٢٧٣٠ ؛ وص ٢٣ ، ح ١٢٧٣٨ ؛ وص ٢٨ ، ح ١٢٧٥١ و ١٢٧٥٢ ؛ وص ٣٠٠ ، ح ١٣٤٧٠ . وفي جميع المصادر : «لأن أصوم يوما من شعبان» بدل «لصوم يوم من شعبان» .[٥] نهج البلاغة ، ص ٦٧ ، الخطبة ٢٥ ؛ الغارات ، ج ٢ ، ص ٣١٧ ؛ الفصول المختارة ، للمفيد ، ص ١٦٩ ؛ المسائل العكبريّة (ضمن مجموعة مصنّفات الشيخ المفيد) ج ٦ ، ص ٣٥ ؛ مناقب آل أبي طالب ، لابن شهر آشوب ، ج ٢ ، ص ٢٨١ ، فصل في إجابة دعواته . وفي بحارالأنوار ، ج ٣٤ ، ص ١٥٩ ، باب سائر ماجرى من الفتن ... ، ح ٩٧ ؛ و ج ٤٢ ، ص ٢٢٦ ، باب كيفية شهادته و ... ، ح ٣٧ ، عن نهج البلاغة .