الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٣٠٤
هذا الحديث مذكور في كتاب الإيمان والكفر من هذا الكتاب بهذا الطريق عن المفضّل الجعفي مع زيادة في المتن ، والظاهر أنّه ابن عمر ، وإن شاركه غيره فيه . ومتن الحديث : قال : قال أبو عبداللّه عليه السلام : «إنّ الحسرةَ والندامةَ والويلَ كلَّه لمن لم يَنتَفِعْ بما أبصَرَه ، ولم يَدْرِ ما الأمرُ الذي هو عليه مقيمٌ ، أنفعٌ له أم ضَرٌّ» . قلت : فبِمَ يُعرَفُ الناجي من هؤلاء جُعلتُ فداك؟ قال : «من كان فعلُه لقولِه موافقاً فاُثْبِتَ له الشهادةُ بالنجاة ، ومن لم يكن فعلُه لقولِه موافقاً فإنّما ذلك مُستودَعٌ» [١] انتهى . وترجمة الباب باب في علامة المعار . وفي بعض النسخ : باب فيمن تثبت عليه الشهادة بالإيمان والنفاق . وبين الحديثين كماترى اختلاف بالزيادة والنقصان ، وفي بعض الألفاظ ما لا يخفى . وحاصل المعنى مع ملاحظتهما معاً : أنّ من وافق فعلُه قولَه فهو ممّن تثبت له الشهادة بأنّه مؤمن وأنّه ناج ، فيكون مستعملاً لعلمه وعاملاً به ، فيدخل من هذه الجهة في باب استعمال العلم . ومن لم يكن كذلك فإنّما إيمانه الذي هو عليه بحسب الظاهر مستعارٌ غير ثابت ومستقرّ له ، وبالتقريب السابق يدخل أيضاً في باب استعمال العلم . وسياق استعمال العلم يقتضي أن يكون المراد بالقول العلم وبالفعل العمل ، ويحتمل إرادة ما يعمّ غيرهما إن فرض من القول والفعل مالا يدخل تحتهما ، لكنّ الظاهر أنّ كلّ ما يفرض داخل تحتهما ممّا يعدّ قولاً وفعلاً . ومع قطع النظر عن ملاحظة الحديث الثاني يحتمل أن يكون المراد في هذا الحديث بالشهادة أنّ من كان كذلك يثبت [٢] له الإقرار بالشهادة وأنّه مؤمن ، أو مؤمن ثابت ، أو كامل ؛ فتحصل له ثمرة الشهادة ، ومن لم يكن كذلك فإنّما إيمانه الذي حصّله بالشهادة مستعارٌ عنده ، مستودعٌ غير مستقرّ . وفيه دلالة على كون العمل جزءاً من الإيمان ، إن لم يكن المراد الكمال ونحوه . وقد يشعر لفظ «مستودع» بعدم الكمال . وفي الحصر ب «إنّما» في الموضعين تأكيدٌ لثبوتها له في الأوّل ، وانتفائها عنه في الثاني . ولا يخفى ما في الحصر وإرادة الإضافي تقربه . والكلام على مثل ألفاظ هذا الحديث ونحوها من حيث إنّها ربما تكون محرّفة من النُّساخ أو من الناقل بالمعنى ، وإلاّ فلو ثبت كونها صادرة عن المعصوم فأيّ عاقل يجترىٌ على الكلام فيها؟ وأيّ عقل يدرك حقيقة ما يقوله؟ فالخطأ حينئذٍ من سوء الفهم . وفي لام «له» دلالة على الاستحقاق والثبات . بقي احتمال لا يخلو من بُعد ، وهو أن يكون المعنى أنّ من كان كذلك ، كان ممّن تقبل شهادته ؛ لأنّه ثابت الإيمان عاملٌ بعلمه ، ومن لم يكن كذلك فإيمانه مستودع ، وكذا علمه ، فلا تقبل شهادته ، وليس له أن يشهد . وهذا الاحتمال بالنظر إلى مجرّد متن الحديث ، وهو كماترى ؛ واللّه أعلم .
[١] الكافي ، ج ٢ ، ص ٤١٩ ، باب علامة المعار ، ح ٤ .[٢] في «ج» : «ثبت» .