الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٦٤٦
على الفرق بين المشيئة والإرادة . ولا يخفى عليك أنّ تذكّره تعالى ليس كتذكّرنا ؛ لمغايرة صفاته تعالى صفاتِنا . واعلم أنّ المراد ـ واللّه أعلم ـ بقوله عليه السلام : «لا يكون شيء إلاّ ماشاء اللّه وأراد» التنبيهُ على أن علّة إرادته تعالى هي مشيئته لا مشيئة غيره ، فلابدّ من الإقرار بأنّه لا يكون شيء إلاّ بإرادته كما تدلّ عليه الأحاديث المتقدّمة أيضا ، بمعنى أنّه لا يكون واقعا ألبتّة شيء تعلّقت إرادته تعالى بعدم وقوعه ؛ لئلاّ يلزم غلبة إرادة الغير إرادته ، فلا يرد ما يقال من أنّ اللازم من الإقرار بأنّه لا يكون شيء إلاّ بإرادته أن لا يكون للعبد فعل ؛ لأنّ ذلك إنّما يلزم لو قلنا بأنّ إرادته متعلّقة بهذا الفعل فقط ، ونحن لا نقول به ، بل نقول : إنّ إرادته تعالى تعلّقت بتخيير المكلّف وتقويته على فعل الشيء وضدّه ، فأيَّهما فعل لا يكون خارجا ذلك الفعل عن إرادته وغالبا لها ؛ وذلك لأنّه تعالى إذا شاء وأعطانا عقلاً نميّز به بين ما يسخطه ويرضيه ، وأوضحها لنا ، وأقدرنا على الفعل والترك ، ووعد على الطاعة الثوابَ وعلى المعصية العقابَ ، فقد شاء جميع ما نفعله ، بمعنى أنّه ليس بعاجز عن جبرنا على عدم الفعل ، فخلقه القوّة ـ التي لابدّ منها قبل فعل الأشياء ـ مشيئتُه تعالى لابدّ وأن تكون متعلّقة بها ؛ لأنّه لو لم يشأ لم يخلقها ، وإنّما خلق القوّة العامّة ؛ لأنّ الثواب على الطاعة أكمل وألذّ على المُثاب من الثواب المبتدأ ، بل لا يسمّى ذلك ثوابا ، وهو أليق بجنابه تعالى ، ولا يتمّ ذلك إلاّ بعد التمكّن من الشيء وضدّه حتّى يتحقّق الطاعة عند ترك الضدّ ، فبعد وضوح الدلالات وقيام البيّنات ، فإلقاء النفس إلى التهلكة موجب لتضاعف العذاب وشدّة العقاب ، نسأل اللّه النجاة . وما ذكره المتكلّمون ـ من أنّ ما أراده اللّه تعالى يجب وقوعه ، وأنّ إرادة القبيح قبيحة وهو تعالى منزّه عنه ـ لا ينافي هذا ؛ لأنّه إنّما أراد تخيير المكلّف وتقويته على فعل المأمور به والمنهيّ عنه ، ولاريب في حُسنه وقبح ترك الحَسَن . وسيأتي من الأحاديث ما يدلّ على جميع ما ذكرناه .