الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٥٤٨
باطل ؛ لأنّه خالق جميع الأشياء ، والكيف والأين من الأشياء ، فهما مخلوقان وحادثان ، خلقهما وأوجدهما ، والقديم لايجوز اتّصافه بالحوادث ، واحتياجُه إليها ؛ لأنّ اللازم منه العجز قبل خلقها ، والخالق على الإطلاق لابدّ وأن يكون قادرا غير عاجز دائما ، لايعتريه تغيّر ولاتبدّل ؛ لأنّ كلّ متغيّر متبدّل حادثٌ محتاجٌ إلى غيره ، فلا يكون الخالقَ على الإطلاق . ثمّ بَيَّنَ عليه السلام [أنّ] له تنزّها عن صفات المخلوقين، فقال: (فلا يُعْرَفُ بالكيفوفيّةِ ...) . قوله عليه السلام : (وَيْلَكَ ، لَمّا عَجَزَتْ حَواسُّكَ عن إدراكِهِ ...) . لمّا توهّم السائل أنّ كلّ موجود لابدّ وأن يكون مدركا بالحواسّ ، وبنى على توهّمه الباطلِ أنّه إذا كان اللّه غير مدرك بالحواسّ ، فاللازم منه أن يكون «لاشيء» ، رَدَّ عليه السلام عليه بقوله : «ويلك لمّا عجزت حواسّك عن إراكه أنكرتَ ربوبيَّتَه» . (ونحن إذا عَجَزَتْ حواسُنا عن إراكه أيْقَنّا ...) . أي تيقُّنُنا أنّه الربّ والخالق على الإطلاق لاغيره إنّما حصَل بعد العلم بأنّه لا يدرك بشيء من الحواسّ ؛ لأنّ كلّ ما تدركه الحواسّ فهو مخلوق ، فلوكان الخالق يدرك بالحواسّ كان متّصفا بصفات المخلوقات ، وهي حادثة ، والقديم منزّه عن الحوادث . قوله عليه السلام في جواب السائل حين سأله بقوله : «متى كان؟» : (إنّي لمّا نظرتُ إلى جَسَدي ...) أجابه عليه السلام بدليل سَبْقه على جميع الأشياء ، وقِدَمِه من أوّل مرّة ؛ لأنّه عليه السلام كان يعلم أنّه لو أجابه بأنّه كان قبل كلّ شيء ، كان يطلب منه الدليل على ذلك ؛ وحاصل الدليل أنّي لمّا نظرت إلى عجزي وافتقاري واحتياجي ، علمتُ أنّ لي خالقا ومؤثّرا ، ولاريب في تقدّم المؤثّر على الأثر ، وكذا لمّا رأيت بعض هذه الآيات العجيبات ـ من دَوَران الفلك ، وإنشاء السحاب ، وتصريف الرياح ، ومجرى الشمس والقمر والنجوم ، وغير ذلك ممّا لايحصى ـ علمتُ أنّ له مقدّرا ومُنشئا ولاريب في تقدّم المنشى ء على المُنشأ ، فعلمتُ أنّه كان قبل كلّ شيء .