الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٢٠٤
الحكمة ، بل ربما كان توبيخاً لمن حصل غيرها من العلوم التي لا دَخْلَ لها بها ، فصار له بذلك شهرة يظنّ الجاهل به معرفة الحكمة التي هي أحكام اللّه ، ونحوها ممّا تقدّم ويأتي من معانى الحكمة . وفي ذكر الشقيّ والعدول عن المقابلة بالشقاء تنبيهٌ على أنّ الجاهل متّصف بالشقاوة ، وأنّ الحكمة لا ينبغي أن تطلب من الجاهل الشقيّ وأن يجعل واسطة بين الحكمة وطالبها . ويحتمل أن يكون الأصل : «والجاهل شقاء بينهما» للمقابلة المذكورة ، وكثيراً مّا يلتبس على الكتبة غير العارفين ما يكتب بالألف ، فيكتبونه بالياء وبالعكس توهّماً أنّه مقصورٌ أو لعدم التمييز ، ويكون هذا من هذا القبيل ، ولكن مع صحّة الأوّل لا يحتاج إلى هذا ؛ واللّه أعلم . وكتب والدي طاب ثراه على هذا ما صورته : الذي يظهر لي من الخبر أنّ قوله : «نعمة العالم» مضاف ومضاف إليه ، والإضافة لاميّة ، والمعنى أنّ بين المرء والحكمة نعمة للعالم ، وهي العلم . ويحتمل أن تكون الإضافة بيانيّة ، أي نعمة هي العالم . والجاهل شقيّ بينهما لحرمانه النعمة على الأوّل ، وحصول الشقاء مقابل النعمة على الثاني . ثمّ قال : ونقل عن بعض محقّقي المعاصرين أنّ المراد كون العالم شقيّاً لتعبه على تحصيل العلم ؛ لقوله تعالى : «طـه * مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَى» [١] والجاهل شقيّ لفوات هذه الحالة عنه ، فهو تعبان أيضاً . وفيه نظر : أمّا أوّلاً ، فمن جهة اللفظ ؛ إذا الظاهر حينئذٍ شقيّان . وأمّا ثانياً ، فلأنّ الجاهل مستريح ، كما لا يخفى . وفي بعض الأخبار الآتية دليل على ذلك ، وهو ما روي في باب النوادر عن طلحة بن زيد من قوله عليه السلام : «فالعلماء يحزنهم ترك الرعاية ، والجُهّال يحزنهم حفظ الرواية» [٢] . انتهى كلام والدي أعلى اللّه مقامه . وما ذكره من كون الإضافة بيانيّة يؤول إلى ما ذكرته . وقوله في النظر «إذا الظاهر حينئذٍ شقيّان» يمكن أن يجاب عنه بأنّ فعيلاً يسوغ فيه مثل هذا ، أو إنّه من قبيل نحن بمّا عندنا وأنت بما عندك راض . لكنّه في هذا المقام خلاف الظاهر كما أفاده . والتوجيه الذي حكاه لا يخلو من اضطراب وعدم انتظام في اللفظ والمعنى يَظْهَرُ لمن تأمّله حقّ التأمّل . فإن قلت : إذا كان المعنى ـ على تقدير الإضافة البيانيّة وكون «العالم» خبر مبتدأ محذوف ـ واحدا ، كان الترجيح للإضافه للسلامة من الحذف . قلت : مجرّد السلامة من الحذف لا يصلح مرجّحاً مطلقاً ، فإنّه ربما كان اقتضاء المقام وبلاغة الكلام وسلاسته في الحذف ، وأنت إذا تأمّلت هذا المقام تجد في الحذف وتنكير «نعمة» والاستيناف مالا يوجد مع الإضافة . فإن قلت : هل يجوز أن يكون «العالم» مبتدأ و«نعمة» الخبر ، والأصل : العالم نعمة بين المرء والحكمة . قلت : تقديم الظرف على الخبر مع تقديم الخبر على المبتدأ يمنع من هذا ، فإنّه يصير كلاما من غير التراكيب المتعارفة في كلام الفصحاء على تقدير جوازه بحسب قواعد العربيّة ؛ واللّه تعالى أعلم .
[١] طه (٢٠) : ١ ـ ٢ .[٢] الكافي ، ج ١ ، ص ٤٩ ، باب النوادر ، ح ٦ .