الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٥٠٧
الثامن : العلم باللغة والنحو والصرف وكيفيّة الاستدلال ؛ وعلى ذلك دلّ بقوله : «وعرف أحكامنا» فإنّ معرفتها بدون ذلك محال . التاسع : العلم بالناسخ والمنسوخ ، والمحكم والمتشابه ، والظاهر والمأوّل ، ونحوها ممّا يتوقّف عليه فهم المعنى والعمل بموجبه . العاشر : العلم بالجرح والتعديل ، ويكفي الاعتماد على شهادة الأوّلين به ، كما اشتمل عليه كتب الرجال ؛ إذ يتعذّر ضبط الجميع مع تطاول الأزمنة ، وفي الكافي و من لا يحضره الفقيه و التهذيب بلاغ واف وبيان شاف [١] . وإلى ذلك أشار بقوله : «وروى حديثنا» . الحادي عشر : العلم بمقتضى اللفظ لغة وعرفاً وشرعاً . الثاني عشر : أن يعلم من المخاطب إرادة المقتضي إن تجرّد عن القرينة ، وإرادة ما دلّت عليه القرينة إن وجدت ليثق بخطابه ، وهو موقوف على ثبوت الحكم . الثالث عشر : أن يكون حافظاً ، بمعنى أنّه أغلبُ عليه من النسيان ؛ لتعذّر درك الأحكام من دونه . والأولى جواز تجزّي الاجتهاد ؛ لأنّ الغرض الاطّلاع على مأخذ الحكم وما يعتبر فيه ، وهو حاصل ، ويندر ويبعد تعلّق غيره به ، فلا يلتفت إليه ؛ لقيام هذا التجويز في المجتهد المطلق . وعليه نبّه في مشهور أبي خديجة عن الصادق عليه السلام : «انظروا إلى رجل منكم يعرف شيئاً من قضايانا ، فاجعلوه بينكم ، فإنّي قد جعلته قاضيا» . انتهى كلامه أعلى اللّه مقامه [٢] . نقلتُه لما فيه من الفوائد . ولا يخلو دلالة الحديث على بعض ما ذكر من نظر ، وبعد التأمّل يمكن الجواب عنه . وربما فهم منه حياة الحاكم الذي جعله عليه السلام حاكماً ، فيكون مؤيّداً للقول بعدم جواز تقليد الميّت . وفيه تأمّل . وهذا الحاكم سمّوه مجتهداً وقد أمر عليه السلام بتقليده والرجوع إليه . وفي قوله عليه السلام «عليكم» بالخطاب بعد تعلّق الكلام بمن ذكر ، تنبيهٌ على أنّ مثل هذا ليس حاكماً مخصوصا بما سألت عنه ، بل هو مع كونه حكماً بينهما حاكمٌ في غير هذه القضيّة أيضا ؛ ولهذا عبّر عليه السلام ثانياً بقوله «حاكماً» بعد قوله أوّلاً «حَكَما» . ومنه يعلم اشتراط الاجتهاد في الحكم كما يشترط في الحاكم ، وهو يدلّ على ما ذكره علماؤنا ـ رضوان اللّه عليهم ـ من كون قاضي التحكيم يشترط أن يكون أيضاً مجتهداً [٣] .
[١] هذا إشارة إلى القول بكفاية اتّفاق المشايخ الثلاثة ـ الكليني والصدوق والطوسي ـ على إخراج رواية الرجل في وثاقته والاعتماد على خبره .[٢] ذكرى الشيعة ، ج ١ ، ص ٤٣ .[٣] مسالك الأفهام ، ج ١٣ ، ص ٣٣٣ . وحكاه في الروضة البهية في شرح اللمعة ، ج ٣ ، ص ٦٨ عن الشهيد الأوّل . وانظر : جواهر الكلام ، ج ٤٠ ، ص ٢٨ .