الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ١٤
وقد ذكره والده في الدرّ المنثور ، ونقل شدّة تأثّره وتأسّفه على فراقه ثمّ قال : ولم أره من أوّل عمره إلى آخره يميل إلى لعب أو ينظر إلى غير أدب ، لم يرفع طرفه إليّ إذا كلّمني ، ويتلجلج لسانه بذلك حتّى لا أكاد أفهم ما يريد، ولم يطلب منّي شيئا بغير واسطة، وكان منذ كان سنّه نحو عشر سنين معتادا لقيام الليل وصلاته، وينبّه النائمين للصلاة، ويحيي جميع ليالي شهر رمضان بالعبادة والتلاوة والدعاء. ولا يشكو إلى أحد مع كثرة عياله وتقتيري عليه في الجملة في الخرج ليعتاد القناعة... ولمّا كان ابن نحو ثمان سنين سألني فقال: الولد قبل البلوغ يدخل الجنّة؟ قلت: نعم، فقال: ادع اللّه أن يميتني وأنا صغير لأدخل الجنّة. قلت له: والكبير إذا كان صالحا يدخل الجنّة أيضا. رزقه اللّه أوّلاً ذكرا، وتوفّي وهو ابن أيّام، وكنت أبكي عليه بكاءً كثيرا، وهو قليل البكاء، يظهر عليه أثر الرضا بحكم اللّه ، ووهبه اللّه بعده ثلاث بنات، وكلّما جاءت واحدة يظهر فيه البشر ويسلّي زوجته بأنّ ثوابنا صار أكثر ... . ولمّا آن أن ينتقل إلى جوار اللّه سبحانه ورضوانه ذكر لي أنّه يريد زيارة الرضا عليه السلام ، فقلت له: أنا لا اُطيق مفارقتك وإن شاء اللّه اُسافر معك في وقت آخر، فقال لي بعد هذا: قد تفألّت في القرآن فظهرت هذه الآية: « فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِى أَبِى أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِى وَ هُوَ خَيْرُ الْحَـاكِمِينَ » [١] ، فقلت له: لا آذن لك في هذا الوقت خوفا عليك، وبعد أيّام مرض وبقي ثمانية أيّام، واختار له ربّه دار البقاء، فحكم اللّه سبحانه له بإرساله إلى المشهد المقدّس. [٢] فدفن في مدرسة الميرزا جعفر بالمشهد الرضوي بخراسان في مقبرة الشيرواني والسبزواري [٣] ، وعليه آلاف التحيّة والرضوان.
[١] يوسف (١٢): ٨٠ .[٢] الدرّ المنثور، ج ٢، ص ٢٤٧ ـ ٢٥٠.[٣] طبقات أعلام الشيعة، القرن ١٢، ص ٥٤٦.