الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٢٨٧
من العلماء الذين إذا لم يحصل لهم جزمٌ بمضمون ما يسألون عنه أن يقولوه في جواب السائل ، فإذا صَدَرَ من الجاهل ، شكَّ السائل في أنّ عنده علما ، أو ظَنَّ فيه هذا ، وقد ينجرّ الأمر إلى الشكّ والاعتقاد فيه من السائل وغيره ، بل إلى شكّه أو اعتقاده في نفسه ، فيكون ذلك سبباً لسؤال الناس له وتجريّه على الجواب بمالا يعلم . وهذه المفاسد لا تترتّب على قول العالم : «اللّه أعلم» . وهو ظاهر ممّا تقرّر . والثاني : أنّ لفظ «أعلم» على قاعدة أفعل التفضيل يقتضي أن يكون للمتكلّم بقوله : «اللّه أعلم» علمٌ ، والجاهل ليس عنده أصل العلم ؛ بخلاف العالم ، فإنّ عنده أصل العلم ، إمّا باعتبار غير ما سئل عنه ، أو باعتبار علمه بهذه المسألة على وجه لا يحصل له الجزم بالإفتاء بها ، وتكون محتاجة إلى مراجعة وتأمّل ونحو ذلك ؛ فما يترتّب هنا أيضاً على قول الجاهل لا يترتّب على قول العالم . و«يحرّفها» بالحاء المهملة من قبيل قوله تعالى : «يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ» . [١] وفي الصحاح : تحريف الكلم عن مواضعه : تغييره . [٢] وهذا معنى ظاهر . وما يوجد في بعض النسخ «يخرّفيها» [٣] من خَرَّ ـ بالخاء المعجمة والراء المشدّدة ـ أي يسقط ، فكأنّه من تحريف الكلم عن مواضعه ؛ واللّه أعلم . وفيه تنبيه على أنّه لا يجوز تفسير القرآن وتأويله بمجرّد الرأي وما تؤدّي [٤] إليه الأفكار القاصرة . وقد تقدّم ما يتعلّق بهذا المبحث في شرح خطبة الكتاب . و«أبعد» صفة حذف موصوفها ، أي تحريفاً أبعد . و«ما بين» هكذا رأيته ، وظاهره «ممّا بين» فيحتمل سقوط الميم . ويمكن توجيه «ما» بوجهين : أحدهما : أنّ الأبعاد التي بين السماء الدنيا والأرض متفاوتة بسبب [٥] تضاريس الأرض بالجبال والوهاد ، [٦] فالمعنى : تحريفاً كأبعد ما بين السماء والأرض من الأبعاد . والثاني : أن يكون المراد جنس السماء ، فالأبعاد التي بين مطلق السماء والأرض متفاوتة ، فالبعد بين الأرض والسماء الدنيا أقلّ منه بينها وبين السماء الثانية ، وهكذا .
[١] النساء (٤) : ٤٦ .[٢] الصحاح ، ج ٤ ، ص ١٣٤٣ (حرف) .[٣] في حاشية «د» : رأيتُ بعد ما كتبتُ في نسخة جدّي طاب ثراه «يخرّ» بالخاء المعجمة (منه) .[٤] في «ألف ، ج » : «يؤدّي» .[٥] في «د» : «بحسب» .[٦] الوَهْدُ : المكان المنحفض . لسان العرب ، ج ٣ ، ص ٤٧١ (وهد) .