الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٤٠٠
والاكتفاء بمجرّد اجتماعهما في أخذ النصيب ، ولا الاعتماد على متابعة من أخذ حصّة من ذلك بمجرّد أخذه لها ، فإنّ ذلك لا يكون سبباً لرفع التكليف عن التابعين ، بل يكون باباً لولوج الشيطان وغلبته وتسلّطه عليهم بأن يزيّن لهم الاكتفاء بمتابعة من أخذ حصّة ممزوجة من الحقّ والباطل ونحو ذلك . وفي ذلك تسهيل عليهم ، وإلاّ فمن عمل بمقتضى عقله الذي منحه اللّه إيّاه ليميز به بين الحقّ والباطل مع قدرته عليه ، يجب عليه أن ينظر لنفسه ويميّز تلك الأجْزاء حقّها من باطلها ، فيتّبع الحقّ ويترك الباطل ، ففي مثل هذا يتسلّط الشيطان على من يطيعه مع قدرته على مخالفته ، وطاعته قد تكون سبباً لعدم العناية به من اللّه وتركه واختياره ، وذلك لاينافي استناد سوء الاختيار إليه . ومن سبقت له من اللّه العناية بأن يسدّده ويحول بينه وبين الشيطان أو يلهمه ترك متابعته وتحمّل مشقّة التمييز لكونه ليس من أولياء الشيطان ومتابعيه ، وبسوء اختياره نجا من تلك الفتنة وخلص من تلك الورطة ؛ واللّه تعالى أعلم . قيل : ومن ذلك شبهة [١] قتل عثمان التي تمسّك بها الناكثون والقاسطون ، فإنّ فيها مقدّمة صادقة ، وهي كون إمام المسلمين قتل مظلوماً ، ومقدّمة كاذبة وهي نسبة ذلك القتل إليه عليه السلام تارةً بأنّه أجلب عليه ، وتارةً بأنّه خَذَلَه . وهنالك ، أي عند امتزاج الحقّ بالباطل يستولي الشيطان على أوليائه ، فيزيّن لهم اتّباع من ينعق بتلك الشبهة ونحوها ، وينجو من سبقت عناية اللّه له بتمييز الحقّ من الباطل . كذا ذكره الشيخ ميثم رحمه اللّه في مختصر الشرح [٢] . وفي النهج : ويتولّى عليها رجالٌ رجالاً على غير دين اللّه ، فلو أنّ الباطلَ خلَص من مزاج الحقّ لم يَخْفَ على المرتادين ، ولو أنّ الحقَّ خلَص من لَبْسِ الباطل انقطعَتْ عنه ألْسُنُ المعاندين ، وفيه يستولي وينجو [٣] . ويحتمل أن يكون المراد بالشيطان صاحب البدعة الذي [٤] ابتدعها ، وجمع فيها بين حقّ وباطل ؛ ليكون بذلك مسلّطاً على متابعيه وأوليائه ، فإنّه لو أتى بباطل محض لم يقبلوا منه ، فمزج هذا بهذا ليطيعوه ، ومن ميّز بين الحقّ والباطل فهو ممّن سبقت له من اللّه الحسنى ، فيكون غير داخل في أوليائه . و«سبق الحُسنى» يحتمل أن يكون معناه أنّه سبق في علمه تعالى أنّهم من أهل الطريقة الحسنى . وذكر «من» للدلالة على أنّ ذلك بهداية اللّه تعالى ولطفه ؛ وأن يكون معناه الهداية الحسنى والسبق باعتبار أنّهم فعلوا من الطاعة قبل هذه الفتنة ما اقتضى أنّ اللّه تعالى منحهم هداية وتوفيقاً بحيث إذا ورد عليهم شيء من مثل هذا تأمّلوه وميّزوا بين الحقّ والباطل واتّبعوا الحقّ . ويحتمل أن يكون بمعنى الإحسان بأنّ تقدّم إحسانه تعالى إليهم بالمعنى المتقدّم ؛ واللّه أعلم .
[١] في «ج» : + «في» .[٢] اختيار مصباح السالكين ، ص ١٥٨ .[٣] نهج البلاغة ، ص ٥٠ ، الخطبة ٥٠ ، مع تفاوت يسير .[٤] في «ج» : «التي» .