الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ١٣٣
ويحتمل ـ واللّه أعلم ـ أن يكون ذكر «آمر» دون «أمرت» ليتناول غير هذا الأمر أيضاً . و«أنهى» كذلك ليتناول النهي الذي استلزمه هذا الأمر وغيره ، وحاصله إرادة : إيّاك أقصد بكلّ أمر ونهي . وقد يستعمل مثل هذا والمراد به ما تقدّم من الأمر ونحوه ، فيقول بعده : إيّاك أعني بكلامي . ويمكن في مثله إرادة ما وقع في هذه الحال وإن كان قد مضى ، فإنّه قد يسمّى حالاً عرفاً ؛ واللّه أعلم . إذا تقرّر هذا فلا منافاة بين هذا الحديث والحديث الذي يأتي في هذا الباب : «بك آخُذُ ، وبك أُعطي» [١] أي بسببك أخذ المسيء بإساءته والمذنب بذنبه ، وبسببك أعطي الثواب ونحوه ، فإنّ العقل لكونه دليلاً ومرشداً سببٌ لذلك ؛ وكذلك ماورد في حديث آخر : «بك اُثيب ، وبك اُعاقب» [٢] نقل هذا الحديث والدي طاب ثراه . فإنّ الحديث الأوّل في هذا الباب يتعلّق أمره ونهيه وثوابه وعقابه بنفس العقل ، وهذان بغيره ؛ فلا منافاة . وأيّ بُعد في أن يكون العقل مكلّفاً بنوع من التكليف وهو الطاعة والانقياد بل غير العقل أيضاً ممّا يتعلّق به الأمر والنهي منه تعالى ، ويترتّب على ذلك نوعٌ من الثواب والعقاب ، كما في حديث العقل وجنوده والجهل وجنوده ، فإنّه لمّا قال تعالى للجهل : أقبل ، فلم يقبل ، قال له : استكبرت ، فلعَنه ، وقول الجهل : ياربّ ، هذا خلقٌ مثلي خلقتَه وكرّمتَه وقوّيتَه ، إلى أن قال تعالى للجهل : فإن عصيتَ بعد ذلك أخرجتُك وجندَك من رحمتي . ومثل هذا ظاهرٌ فيما ذكرناه ؛ فظهر الفرق بين تكليف العقل وما خلق لأجله . ولا ينافي ذلك علمه تعالى بعدم معصية العقل ، فقد خاطب تعالى أنبياءه ونحوهم ممّن يعلم عدم وقوع معصية منهم بمثل ذلك ، كقوله تعالى : «لَـلـءِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ» [٣] لحكمة في ذلك ومصلحة نحو إسماع غير النبي صلى الله عليه و آله بأنّ مثله لو حصَل منه ذلك لترتَّبَ عليه ما ذُكر ، فيكون أبلغ في الزجر وقبول المأمور به وترك المنهيّ عنه ، وككونه من قبيل «القولُ لَكِ ياكنّه لِتسمعي باجارة» ونحو ذلك ممّا اللّه سبحانه أعلم بحقيقته . ولا يليق بَعَدْلِه سبحانه أن يجعل عقاب المدلول على الدالّ ، ليكون المعاقب العقل بجناية صاحبه «وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ اُخرى» . [٤] واحتمال إرادة النفس الناطقة أو بعض مراتبها بعيد ؛ واللّه تعالى أعلم .
[١] الكافي ، ج ١ ، ص ٢٨ ، كتاب العقل والجهل ، ح ٣٢ .[٢] الفقيه ، ج ٤ ، ص ٣٦٨ ، ح ٥٧٦٢ ؛ كنز الفوائد ، ج ١ ، ص ٥٧ ؛ السرائر ، ج ٣ ، ص ٦٢٠ (مستطرفات) ؛ مكارم الأخلاق ، ص ٤٤٢ ، الفصل الثالث في وصية النبيّ صلى الله عليه و آله ؛ أعلام الدين ، ص ١٧٢ ؛ عوالى اللئالي ، ج ٤ ، ص ٩٩ ، ح ١٤٢ ؛ وفي بحارالأنوار ، ج ٧٤ ، ص ٦٠ ، باب ما أوصى رسول اللّه صلى الله عليه و آله إلى أميرالمؤمنين عليه السلام ، ح ٣ عن مكارم الأخلاق .[٣] الزمر (٣٩) : ٦٥ .[٤] الأنعام (٦) : ١٦٤ ؛ الإسراء (١٧) : ١٥ ؛ فاطر (٣٥) : ١٨ ؛ الزمر (٣٩) : ٧ .