الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٢٧١
لاستناده إمّا إلى جهل أو تعصّب ومتابعة هوى ونحوه . وقد يقال : إنّ من كان في هذه المرتبة ، كان من رآه تذكّره رؤيته اللّه سبحانه أن تذكر . ويقرب من هذا القبيل ماورد من قوله صلى الله عليه و آله : «النظر إلى عليّ عبادة» [١] بمعنى أنّ من رآه كان ثوابه ثواب من فعل نوعاً من العبادة . وقال ابن الأثير بعد ما نقل الحديث «النظر إلى وجه عليّ عبادة» : قيل : إنّ معناه أنّ عليّاً كان إذا بَرَزَ ، قال الناس : لا إله إلاّ اللّه ، ما أشرف هذا الفتى ، لا إله إلاّ اللّه ، ما أعلم هذا الفتى ، لا إله إلاّ اللّه ، ما أكرم هذا الفتى ، أي ما أتقى ، لا إله إلاّ اللّه ، ما أشجع هذا الفتى ، فكانت رؤيَتُه عليه السلام تَحْمِلُهم على كلمة التوحيد ؛ انتهى [٢] . وهو خلاف الظاهر ، ولا يبعد أن يكون المقصود بالذات من عيسى عليه السلام نفسه ، وكذلك أبو عبداللّه عليه السلام ومَن في مرتبتهما من أهل العصمة ، فإنّهم الجامعون لهذه الأوصاف ، ومن يحذو حذوهم داخلٌ بالتبعيّة . والتعبير بمثله لإرادة العموم وكونه أحسن من أن يقال : جالسوا مثلي وأكثرَ فائدة ؛ واللّه أعلم . والثاني : من كان عالماً عاملاً ، لكنّه لا يصل في العمل إلى مرتبة الثالث . والثالث : الذي علمه أكثر من الثاني . ومن جمع منها وصفين أو الجميع ، فهو نور على نور . ويمكن الفرق بين الأوّل والثالث بعدم ظهور عمل الأوّل جميعه ، بل أثره ، كما يدلّ عليه كلام أميرالمؤمنين عليه السلام ، والثالث من يُظهر عملَه لا لرياء ونحوه ، بل إمّا ليُتّبع في ذلك أو لغرض آخر صحيحٍ . ودخول مجهول الحال لايليق ، فإنّ من يذكّر [٣] اللّه حقَّ ذكره رؤيتُه لا يكون [٤] إلاّ بعد الاطّلاع على حقيقة أمره،والعالم إذا لم يكن عاملاً، لا يؤخذ عنه العلم ؛ لأنّه غير مأمون ، وقد نهي عن الأخذ عن مثله ، وكذا المرائي . نعم يمكن أن يقال : إنّه مع التفحّص وعدم ظهور خلاف الواقع ـ إن لم يعتبر أمر الباطن ـ ربما يكون من يذكّر اللّه برؤيته مثاباً ، وإثم تصنّعه عليه ، وكذا العامل المرائي . وما تقدّم من قوله عليه السلام : «فانظروا علمكم هذا عمّن تأخذونه ، فإنّ في كلّ خلف منّا عدولاً» الحديث ، يقتضي أنّ العلم لا يؤخذ إلاّ من العدل ؛ واللّه تعالى أعلم .
[١] الأمالي ، للصدوق ، ص ٣٦١ ، المجلس ٥٨ ، ح ١ ؛ الأمالي ، للطوسي ، ص ٤٥٤ ، المجلس ١٦ ، ح ٢٢ ؛ مأة منقبة ، لابن شاذان القمّي ، ص ١٥١ ، المنقبة الرابعة والثمانون ؛ العمدة ، لابن البطريق ، ص ٣٦٦ ـ ٣٦٨ ؛ بشارة المصطفى ، ص ١٩١ ؛ الصراط المستقيم ، ج ١ ، ص ١٥٣ ، الباب التاسع في شيء ممّا ورد في فضائله ... ؛ المناقب ، لابن شهر آشوب ، ج ٢ ، ص ٢٦٨ ؛ كشف الغمّة ، ج ٢ ، ص ٢٦٨ ؛ سعد السعود ، ص ٢٣ و٢٧٧ .[٢] النهاية ، ج ٥ ، ص ٧٧ (نظر) .[٣] في «ج» : «تذكّر» .[٤] في «ج ، د» : «لا تكون» .