الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ١٧٢
.يا هشام ، إنَّ أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول : إنَّ من علامة العاقل أن يكونَ فيه ثلاثُ خصالٍ : يُجيب إذا سُئلَ ، وينطقُ إذا عجزَ القومُ عن الكلام ، {...}
قوله عليه السلام فيه (إنّ مِن عَلامةِ العاقلِ أنْ يَكونَ فيه ثَلاثُ خِصالٍ : يُجيب إذا سُئلَ ، ويَنطِقُ إذا عجَز القومُ عن الكلامِ ، ويُشيرُ بالرأي الذي يَكونُ فيه صَلاحُ أهلِه ، فمَن لم يَكُنْ فيه مِن هذه الخصال الثلاث [١] شيءٌ فهو أحمقُ) . لا شبهة في أنّ العاقل يدلّه عقله على أنّه إذا سُئل وكان عالماً بما سئل عنه أن يُجيب السائل بما يعلم ، وإذا لم يعلم أن يجيبه بعد العلم ، ومع المصلحة المسوّغة قد ينعكس الأمر ، والجميع داخلٌ تحت الجواب إذا سئل ، وفي ترك الجواب مخالفة لمقتضى العقل . والجواب بما يخالف ليس بجوابٍ مطلوبٍ من العقلاء ليدخل تحت الجواب . وقوله عليه السلام : «وينطق إذا عجز القوم» معناه ـ واللّه أعلم ـ أنّ العقل يقتضي أنّه متى تكلّم القوم بالصواب ، فماداموا يتكلّمون به فالعاقل في راحة من الكلام وغناء عنه . وقد ورد في الحديث «أنّ راحة اللسان في النطق ، وراحة العقل في الصمت» [٢] . فالعاقل يختار راحة عقله ، فإذا عجزوا عن الكلام بالصواب تعيّن عليه الكلام ، وحينئذٍ تصير راحة العقل في النطق ؛ فإنّ قوله عليه السلام : «وينطق إذا عجز القوم» يدلّ على أنّ راحة العقل ليستْ في مطلق الصمت ، بل في الصمت المستغني به عن النطق . فإن قلت : قد ورد «تكلّموا في العلم تبيّن أقداركم» [٣] كما يأتي ، و«تكلّموا تعرفوا». [٤] قلت : لا منافاة ، فإنّ المقامات مختلفة ، فقد يقتضي المقام التكلّم بالصواب ، كما تقدّم ، فيعرف بكلامه الصواب وأنّه أهله ؛ وقد يقتضي المقام تكلّمه ؛ لجهل الحاضرين حاله ورتبته ونحو ذلك ؛ فالتقييد لابدّ منه . والجاهل ونحوه غير داخلين ، والضابط متابعة العقل صمتاً ونُطقاً ؛ واللّه أعلم .
[١] في «ألف ، ب ، د» : - «الثلاث» .[٢] التحفة السنيّة ، للسيّد الجزائري ، ص ٣٢٦ ؛ الصمت وآداب اللسان ، لابن أبي الدنيا ، ص ٣٠٠ .[٣] الكافي ، ج ١ ، ص ٥٠ ، باب النوادر ، ح ١٤ .[٤] نهج البلاغة ، ص ٥٤٥ ، الحكمة ٣٩٢ ؛ غررالحكم ، ص ٢٠٩ ، ح ٤٠٢٥ ؛ معدن الجواهر ، للكراجكي ، ص ٦٧ ، باب ما جاء في تسعة ؛ شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد ، ج ١٩ ، ص ٣٤٠ ، ح ٣٩٨ ؛ وفي بحارالأنوار ، ج ٦٨ ، ص ٢٩١ ، باب السكوت والكلام... ، ذيل ح ٦٢ ، عن نهج البلاغة .