الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٣١٨
ويحتمل أن يكون المعنى : أنّ أقرب ما أنا صانع بهم . وذكر «أنزع» لرفعها بالكلّيّة بحيث لا يبقى لها أثر . ونَزْعها إمّا بعدم تداركهم بالعناية والتخلية بينهم وبين افتتانهم بالدنيا بحيث لا يتوجّهون إلى المناجاة ، أو بعدم قبول مناجاتهم وعدم ترتّب الثواب عليها ، أو بمعنى أنّهم يصيرون بحيث لا يدركون هذه الحلاوة ، ومن لم يجد لشيء لذّة ولا أثرا تَرَكَه وأعرض عنه . ويحتمل أن يكون قطع الطريق بمعنى أنّ الناس إذا رأوهم ـ مع علمهم ـ حريصين على الدنيا متهالكين عليها ، كانَ ذلك سبباً لحرص الناس وتهالكهم عليها ؛ من حيث توهّمهم أنّ العالم لولا أنّ علمه اقتضى حبّ الدنيا ودَلَّه عليه لما حرَص ، فمن يريد الوصول يتوهّم أنّ مثل هذا طريق موصل ، أو يقولون : إذا كان هذا كذلك مع علمه ، فنحن أولى بالحرص ، فيكون ذلك باعثاً على ترك العلم أو العمل به . ويخدش هذا الوجه التقييد بالمريدين . إلاّ أن يُجاب بأنّهم في الأصل يريدون ذلك ، فمنعهم ما ذكر . وهو كماترى . وقريب منه احتمال أنّه إذا أحبّ الدنيا كان سلوكه مع الناس بمقتضى طباعهم وميلهم ، والناس عبيد الدنيا واُسارى الشهوات ، واُمور الآخرة شاقّة وقد حُفّت الجنّة بالمكاره ، وحُفّت النار بالشهوات ، فحِرْصُه يبعثه على المساهلة وتسويغ مالا يجوز، فمن يريد الوصول يحول هذا العالم بينه وبين ما يريد أوّلاً، فهو قاطع طريقه. وخطابه تعالى لداود عليه السلام الظاهر أنّه ـ واللّه أعلم ـ من قبيل : أقول لك ياكنّة لتسمعي ياجارة . ونحوه قوله تعالى : «لَـلـءِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ» [١] وغيره ممّا المقصود بالخطاب به غير المخاطب ؛ واللّه أعلم . وتكرار «بين» في «بيني وبينك» لأجل الضمير ، فلو قيل : «بين زيد وعمر» بالظاهر لم يتكرّر ، كما تقدّم نقله عن الحريري .
[١] الزمر (٣٩) : ٦٥ .