الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ١٥٨
ولعلّ في ترك العقل هنا دلالة على أنّ معرفة اللّه لا ينبغي أن يكون العقل وحده محكَّماً فيها ، أو جعله غالباً على غيره والأحاديث تؤيّده ، بل ينبغي الاقتصار على ما عرف سبحانه من نفسه ووصفها به سوى ما استثنى . وسيأتي إن شاء اللّه تفصيلُ ذلك . (وأعْلَمُهم بأمرِاللّه أحْسَنُهم عقلاً) . لأنّ من علم أوامراللّه تعالى كانَ ذلك عن عقل ، ومراتبه تتفاوت بتفاوت العلم [١] ، وبه يتفاوت حسن عقل الأشياء . ويمكن أن يُراد بالأوّل الانقياد من غير العلم أو زيادته ، وبالثاني العلم أو زيادته ، ويُراد بالأمر كلّ ما يتعلّق بأمر اللّه . ويمكن أن يُراد بالأوّل معرفة الجزئيّات ،فإنّ المناسب لها الاستجابة والانقياد والتسليم ، وبالثاني الكلّيّات أو الأعمّ ، فإنّ الإنسان إذا كانَ أحسن عقلاً ـ أي متابعة لعقله ـ كانَ عالماً ؛ فتأمّل . (وأكمَلُهم عقلاً أرْفَعُهم درجةً في الدنيا والآخرة) . يمكن أن يكون هذا مرتبةً فوق مرتبة الأحسن ، وهو الظاهر عن العدول عن الأحسن ، والمناسب لما قبله من أحسنهم وأعلمهم . وهذا يؤيّد كون مرتبة العلم فوق مرتبة المعرفة . ولعلّ الأنسب على هذا أن يكون المعنى أحسن العباد استجابةً أحسنهم معرفة ، وأعلم أهل المعرفة أحسنهم عقلاً ، وأكمل أهل العقل أرفعهم درجةً ، أو أكمل الأحسن في المعرفة والعقل ، وأعلم الأحسن في المعرفة . ويحتمل أن يكون «أكملهم عقلاً» المراد به الأحسن عقلاً ، والعدول إلى الأكمل للتنبيه على الوصف به . وهو كماترى . ورفع الدرجة في الآخرة ظاهرٌ ، وفي الدنيا ؛ باعتبار أنّه بكمال العقل يحصل تمام المداراة وحسن المعاشرة اللَذيْن يرفع اللّه بهما درجته في الدنيا ؛ أو أنّ اللّه يرفع درجته بذلك ونحوه . ولعلّ الأولى أن يُراد أنّ درجته عنده تعالى في الدنيا والآخرة مرفوعة ، بمعنى شأنه وقرب منزلته ، والدرجة تشعر بذلك ؛ ولا عبره بالناس . وأن يراد بالناس على الأوّل الذين هم الناس الذين تعتبر الرفعة عندهم ؛ واللّه تعالى أعلم .
[١] في «د» : «العقل» .