الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٤٢٩
وفي الحقيقة ما يستجهل به زيادة عن أصل الجهل به . ولمّا كان الجاهل بالشيء بعيداً عن العلم به ، فالذي يريد معرفة المجهول الشرعي بالقياس يكون سلوكه لهذا الطريق إلى العلم سلوكاً لغير الطريق الموصل إليه ، فيزداد بعداً عن الحقّ ، كمن سلك طريقاً يريد به التوصّل إلى مكان بعيد عنه ، ولم يكن ماسلكه طريقاً يوصل إليه ، وكمن يريد تحصيل شيء فربما تصوّره في الجملة ، ولكن رتّب له مقدّمات كاذبة لا تنتج شيئاً من الذي تصورّه ، فيصير بعد ذلك أبعد ، بخلاف ما إذا أراد الحقّ بدليل ، فحينئذٍ يكون وصوله إليه كوصول من صحب دليلاً عارفاً بالطريق والمكان الذي يريده ، وكذا من رتّب المقدّمات الصادقة المنتجة لما تصوّره . فإن قلت : يمكن أن يوافق قياسه الحقّ ، كما يمكن وصول قاطع مسافة إلى مكان يريده ويتّفق له ذلك من غير قصد ومعرفة بالطريق ؛ فالبعد في هذا كيف يتصوّر ، فضلاً عن ازدياده؟ قلت : أمّا ما نحن فيه من معنى الحديث فإنّ الإنسان قبل أن يعرف وجه الحقّ في مسألة مثلاً فهو بعيد عنه من هذه الجهة ، فإذا قاس ووصل إليه في نفس الأمر وهو لا يدري أنّه الحقّ في نفس الأمر ، ولكن اعتقاده أنّه عرفه حقّاً من جهة القياس الذي لا يجوز أن يعرف الحقّ به حقّاً ، ولا يكون دليلاً على الحقّيّة ، فهو من هذه الحيثيّة أبعد عن الحقّ من الجاهل وإن وافق الواقع . ويؤيّده ما في حديث عمر بن حنظلة الآتي من قوله عليه السلام : «وما يحكم له فإنّما يأخذ سُحتاً وإن كان حقّاً ثابتاً له ؛ لأنّه أخذه بحكم الطاغوت» الحديث [١] . ولهذا كان مَن هذا شأنه أحدَ الثلاثة الذين في النار ، ولم يكن الجاهل بمثل [٢] هذا مطلقاً من أهل النار ، بل قد يكون من أهل الجنّة إذا لم يمكنه تحصيل الحقّ بوجه ، ولم يجترئ على دعوى الحقّ والقول به مع عدم مناف آخر ، فهذا الذي وصل إلى الحقّ في الواقع ولا يعلمه حقّاً في الواقع من حيث عدم علمه بالطريق التي يجب عليه العلم بها أبعد منه في حالة جهله قبل أن يقيس . وبُعده الزائد عن الحقّ بمعنى بُعده عمّا يترتّب له على معرفة الحقّ من الثواب ويلزمه ما يترتّب من العقاب ، على أنّ الأبعديّة يمكن تحقّقها باعتبار ماعدا هذا الشقّ وإن انضمّ إليه ، فإنّ ما عداه صورة كثيرة . وفي هذا تأمّل . وقد يقال : إنّ صاحِب القياس لا يصيب الحقّ بالقياس أبداً ، كما نطق به قوله عليه السلام : «إنّ دين اللّه لا يُصاب بالمقاييس» على وجه التأكيد ، فلا يحتاج إلى ما ذكر من التوجيه ، فيكون ذكره جواباً لما لعلّه يقال أو يحتمل . وقد يفرق بين الإصابة والموافقة ، فما اتّفق لصاحب القياس لا يكون إصابة ؛ ولهذا نفى عليه السلام الإصابة به ، والكلام فيما اتّفق له يرجع إلى ما تقدّم وسالك الطريق إلى مكان ليس المراد به التشبيه من جميع الجهات ؛ على أنّه يمكن أن يوجّه بما يقرب من هذا ، وقد تقدّم الكلام في مثله . وتكرار لفظ «المقاييس» والعدول عن الإضمار لنحو ما تقدّم عن قريب ؛ واللّه أعلم .
[١] الكافي ، ج ١ ، ص ٦٧ ، باب اختلاف الحديث ، ح ١٠ .[٢] في «ج» : «مثل» .