الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ١٨
اتّفق لي مرّة أنّي في أوائل الأمر كنت أدرس شرح اللمعة، فمرّت عبارة فيها الصدوقان، فسألني من يقرأ: الصدوقان من هما؟ فقلت له: محمّد بن بابويه وأخوه، وكان ذلك غلطا منّي، فرأيت تلك الليلة في المنام جدّي المبرور الشهيد الثاني، وهو يقول لي: ياولدي، الصدوقان محمّد وأبوه {-٩-}
أحداث مؤلمة:
تقدّم أنّ والد المترجم الشيخ محمّد بن حسن قدس سره قد سافر إلى العراق وكان لمترجمنا ستّ سنين من العمر. ثمّ جرت لهم بعض الحوادث المؤلمة، فقد احترق لهم نحو ألف كتاب، ووقع على بلادهم فتور عظيم ممّا اضطرّهم أن ينتقلوا إلى كرك نوح عليه السلام [٢] ، فأقاموا بها مدّة، ثمّ سافر أخوه إلى العراق وكان في سنّ الاثنتي عشرة سنة تقريبا. وبعدها بمدّة أثكل بوفاة والده حيث وافاه الأجل في سنة ١٠٣٠ هجريّة [٣] ، فشاءت الأقدار أن يصبح المترجم يتيما وهو في مطلع بلوغه، فيعيش معترك الحياة فاقدا لأبيه، ولكن هذه الحوادث المؤلمة لم تمنعه من مواصلة درسه، بل شدّت من عزيمته وقوّت إرادته حتّى نال من العلوم ما نال، فلّله درّه وعليه أجره.
سفره إلى مكّة:
سافر شيخنا المترجم إلى مكّة المكرّمة بعد وفاة والده، وذلك في سنة ١٠٣٢ أو ١٠٣٣ هجريّة، وكان عمره إذ ذاك نحو ستّ عشرة سنة [٤] ، فإنّه كان يشعر بأنّه
[١] الدرّ المنثور، ج ٢، ص ٢٤١.[٢] كرك نوح: لفظة سريانيّة أصلها «كركو» بمعنى حصن أو معقل، اسم قرية بأسفل جبل لبنان من جهة الجنوب، تنسب إلى نوح عليه السلام لوجود قبر ومشهد فيها منسوبين إليه. وقد قيل: إنّ هذه القرية كانت أشبه بمدينة حصينة جرت إليها مياه البردوني، ثمّ تحوّل عمرانها إلى غيرها، وأصبحت اليوم قرية صغيرة. وإلى هذه القرية ينتسب الكثير من العلماء أمثال المحقّق الكركي وغيره. انظر: كتاب الشهيد الثاني، ص ٢٣ ـ ٢٤ .[٣] انظر: الدرّ المنثور، ج ٢، ص ٢٣٩ .[٤] الدرّ المنثور، ج ٢، ص ٢٣٩. وقد تقدّمت الإشارة عند الكلام في تاريخ ولادته أنّ المشهور في ولادته ١٠١٣ أو ١٠١٤ هجريّة، وعليه يكون له من العمر حين سفره إلى مكّة بين ١٧ سنة و ٢٠ سنة.